سودان تمورو
ما يجري في السودان اليوم لا يمكن اختزاله في معركة بين جنرالين، ولا في صراعٍ عسكري على السلطة، ولا حتى في فشل تسوية سياسية بعينها. فالحرب التي تمزّق البلاد منذ شهور لم تولد في لحظة الاشتباك الأولى، بل كانت قد وُلدت قبل ذلك بسنوات طويلة، يوم تآكلت الدولة من الداخل، وانفصلت القوة عن المعنى، وغابت الرؤية التي تجعل السلاح خادماً للوطن لا سيداً عليه.
في العادة، يظن الناس أن الهزيمة تبدأ عندما تُقصف المدن، أو تُحتلّ الأحياء، أو تُجبر الملايين على النزوح، لكن التاريخ يقول شيئاً آخر: الهزيمة الحقيقية تبدأ حين تفشل الدولة في أن تكون دولة، وحين يعجز المجتمع عن إنتاج عقد جامع، وحين تتحول القوة إلى أداة صراع داخلي بدل أن تكون ضمانة للأمن العام. وما نشهده في السودان اليوم هو إعلان متأخر عن هذه الهزيمة العميقة، لا بدايتها.
لسنوات طويلة، عاش السودان على تراكم هشّ من التناقضات المؤجلة. دولة تملك جيشاً، لكن بلا عقيدة وطنية جامعة. سلطة تمتلك أدوات القوة، لكنها تفتقر إلى شرعية أخلاقية وسياسية مستقرة. مجتمع غني بالتنوع، لكنه مُنهك بالانقسامات وسوء الإدارة. ومع كل أزمة، كان يتم ترحيل السؤال الجوهري: أي دولة نريد؟ ومن يملك حق استخدام القوة؟ ولصالح من؟
حين اندلعت الحرب، لم يكن الرصاص هو الذي صنع الانقسام، بل كشفه فقط. فجأة، تبيّن أن الدولة كانت أضعف مما ظن الجميع، وأن المؤسسات لم تكن مؤسسات بقدر ما كانت واجهات، وأن السلاح الذي تراكم خارج منطق الدولة عاد ليطالب بدوره السياسي. وهكذا تحولت البلاد إلى ساحة صراع، لا لأن الحرب فُرضت من الخارج فقط، بل لأن الداخل كان مهيأً للانفجار.
اللافت في المشهد السوداني أن كل طرف يدّعي الدفاع عن الدولة، بينما الواقع يقول إن الدولة نفسها هي الضحية الأولى. المدن تُدمّر، الاقتصاد ينهار، ملايين المدنيين يُهجّرون، فيما الصراع الحقيقي يدور على من يملك القوة، لا على من يملك مشروع إنقاذ. وهذا هو جوهر المأساة: حين تغيب الرؤية، يصبح الانتصار العسكري فارغاً من المعنى، حتى لو تحقق.
والأخطر من الحرب نفسها، هو ما تخلّفه في الوعي الجمعي. فالحروب الأهلية لا تدمّر الحجر فقط، بل تعيد تشكيل الإنسان. ومع طول أمد الصراع، يتحول العنف إلى لغة عادية، ويصبح البقاء هو الهدف الوحيد، وتُختزل السياسة في منطق الغلبة. وعندها، حتى لو توقفت المعارك، تبقى الهزيمة كامنة في النفوس، تنتظر شرارة جديدة.
التاريخ الحديث مليء بدروس مشابهة. دول خرجت من حروب مدمّرة لأنها فهمت أن المشكلة لم تكن في الخصم، بل في بنية الدولة نفسها. وأخرى غرقت في دوامات العنف لأنها عالجت النتائج وتجاهلت الأسباب. والسودان اليوم يقف عند هذا المفترق الحاسم: إما أن تُقرأ الحرب بوصفها عرضاً لمرض أعمق، أو تُقرأ بوصفها مجرد صراع عابر يمكن تجاوزه باتفاق هشّ آخر.
لا يمكن لأي تسوية أن تنجح ما لم تُجب عن الأسئلة المؤجلة: كيف تُبنى دولة لا تكون فيها القوة منفلتة؟ كيف تُعاد هيكلة العلاقة بين الجيش والسياسة؟ كيف يُستعاد المعنى الأخلاقي للسلطة؟ وكيف يشعر المواطن أن الدولة له، لا عليه؟ دون ذلك، ستظل كل هدنة مؤقتة، وكل نصر عسكري قابلاً للانقلاب إلى هزيمة أشد.
ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ لا يغلق أبوابه بالكامل. فالهزائم، مهما كانت قاسية، قد تتحول إلى لحظة وعي، إذا توفرت الشجاعة للاعتراف بالأخطاء. السودان لا تنقصه الموارد، ولا الكفاءات، ولا العمق الحضاري، لكنه بحاجة إلى ما هو أعمق: إرادة جماعية لكسر دورة العنف، وبناء دولة تقوم على القانون لا السلاح، وعلى المشاركة لا الإقصاء.
الحرب الدائرة اليوم ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة منطقية لمسار طويل. والنهوض لن يبدأ بوقف إطلاق النار فقط، بل بوقف النزيف في الفكرة التي تُدار بها الدولة. فقبل أن يتوقف الرصاص، يجب أن يُعاد بناء المعنى، وإلا فإن التاريخ سيكرر نفسه، بصوتٍ أعلى، ودمٍ أكثر.
في السودان، كما في غيره من البلدان المنكوبة، المعركة الحقيقية ليست في الميدان وحده، بل في الوعي. هناك فقط يُحسم السؤال: هل تكون هذه الحرب نهاية الانهيار… أم بدايته من جديد؟
