سودان تمورو
يسود لدى كثيرين في عالمنا العربي تصوّرٌ مريب، أقرب إلى الوهم، مفاده أنّ تفوّق الولايات المتحدة على خصومها، في الشرق الأوسط أو على امتداد الخريطة الدولية، سيعني تلقائياً نهاية الأزمات وبزوغ فجر السلام. هذا التصوّر لا يخطئ في قراءة الواقع فحسب، بل يتجاهل جوهر السياسة الدولية ومنطق القوة عبر التاريخ، حيث لم تكن الهيمنة يوماً جسراً إلى الاستقرار، بل وقوداً دائماً للصراع.
ليس هذا الوهم جديداً. فقد عاشه العالم إبّان الحرب الباردة، حين ساد الاعتقاد بأن سقوط أحد القطبين سيحرّر البشرية من شبح المواجهة الكبرى. يومها بُشّر الناس بـ“نهاية التاريخ”، وبأن العالم سيدخل مرحلة السلام الليبرالي تحت قيادة قطب واحد. لكن ما إن تفكّك الاتحاد السوفيتي حتى سارعت واشنطن إلى البحث عن عدوّ جديد، لأن الفراغ في منطق الإمبراطوريات خطرٌ لا يُحتمل. فكانت “الحرب على الإرهاب” العنوان العريض لحقبةٍ ملأتها الحروب، من أفغانستان إلى العراق، مروراً بساحاتٍ لا تُحصى، أثبتت جميعها أن القوة العظمى لا تتغذّى على السلام، بل على استدامة التهديد.
في السياسة لا تحكم الأخلاق بل المصالح، ولا مكان للثبات في العلاقات. القاعدة التي حكمت الإمبراطوريات قديماً وحديثاً واحدة: لا صديق دائم ولا عدو دائم. وحين تفرغ القوة المهيمنة من خصومها، لا تدخل في طور السكينة، بل تبدأ فوراً في إعادة تعريف الخطر. حلفاء الأمس يتحوّلون إلى عبء اليوم، وعبء اليوم قد يصبح عدو الغد. فالدولة التي تُعرّف ذاتها عبر الهيمنة تحتاج باستمرار إلى “آخر” تُواجهه لتبرير نفوذها، وإنفاقها العسكري، وتدخّلها العابر للحدود.
الخطير في هذا الوهم أن بعض من يهلّلون اليوم لاحتمال سقوط الجبهات التي تقاوم الاستكبار العالمي، يتخيّلون أنهم بذلك يشترون لأنفسهم الأمان. لكن التاريخ القريب يعلّمنا أن الخضوع لا يحمي، وأن التنازل لا يضمن البقاء خارج دائرة الاستهداف. فحتى أولئك الذين قدّموا أقصى درجات الولاء، وتماهوا مع السياسات الأمريكية، لم يكونوا بمنأى عن الضغط أو الابتزاز أو الإقصاء حين تغيّرت الحسابات. المسألة لا تتعلّق بسلوك هذا الطرف أو ذاك، بل بطبيعة منظومة لا تعيش إلا في ظل صراعٍ مُدار، تُعاد صياغته كلما اهترأ عنوانه القديم.
إن السلام الذي يُبنى على الهيمنة ليس سلاماً، بل هدنة مفروضة بقوة السلاح، سرعان ما تنهار عند أول منعطف. والسلام الحقيقي لا يولد من سحق الخصوم، بل من توازن القوى واحترام الإرادات والسيادات. أما الإمبراطوريات، فحين تُنهي حرباً، تكون قد بدأت التفكير في التالية، لأن غياب العدوّ يهدد منطق وجودها ذاته.
لهذا، فإن الرهان على “السلام الأمريكي” رهان على سراب. ومن يظن أن الطوفان سيتوقف عند حدود غيره، سيكتشف متأخراً أن الجدار الذي سقط اليوم كان يؤخّر وصول الموجة لا أكثر. فالتاريخ لا يرحم من يسيئون قراءة سننه، والجبابرة، مهما تغيّرت أسماؤهم، لا يعرفون الاكتفاء.
ولكي لا يُساء فهم هذا الطرح، لا بد من التأكيد أن الحديث هنا لا ينطلق من تسليمٍ بسقوط محور المقاومة، ولا من افتراض انتصارٍ حتمي للإمبراطورية. على العكس، فإن قراءة موازين الصراع بعيون التاريخ لا ببيانات الدعاية، تُظهر أن هذا المحور ما زال يمتلك عناصر صمود حقيقية، وأن معركة الإرادات لم تُحسم، وأن ما يجري هو صراع طويل النفس لا يُقاس بجولات إعلامية أو ضربات عسكرية معزولة. غير أن هذا الكلام موجّه أساساً إلى أولئك الذين صدّعوا الرؤوس بنبوءات “السلام العالمي” عند انتصار الإمبراطورية، وبأوهام “النظام العالمي الجديد” الذي سيُنهي الحروب ويطوي صفحة الصراع إلى الأبد. هؤلاء لا يقدّمون تحليلاً سياسياً، بل يروّجون لاستسلامٍ ذهنيّ مُغلّف بلغة الواقعية، ويطلبون من الشعوب أن تصدّق أن التاريخ سيتوقف فجأة لأن قوة واحدة أعلنت نفسها وصيّة على العالم.
فالردّ هنا ليس على فرضية انتصار أمريكا بقدر ما هو تفكيك للخديعة الفكرية المرافقة لها: خرافة أن انفراد القوة يولّد السلام، وأن هزيمة المقاومين تعني الخلاص. الحقيقة أن السلام الذي يُبنى على الهيمنة ليس سوى استراحة مؤقتة للجلاد، لا أماناً دائماً للضحايا، وأن النظام العالمي الذي يُرسم بالقوة لا ينتج استقراراً بل فوضى مؤجلة. ومن هنا، فإن المعركة لا تُخاض في الميادين وحدها، بل في الوعي أيضاً؛ في كسر هذه السردية التي تحاول تحويل الهيمنة إلى قدر، والاستسلام إلى حكمة، وسقوط الآخرين إلى وعدٍ زائف بالنجاة.
