سودان تمورو:
كشفت تحقيقات صحفية أن قاعدة جوية سرية مصرية في عمق الصحراء الغربية تحولت إلى منصة رئيسية لإطلاق ضربات بطائرات مسيرة متطورة داخل السودان، في تدخل عسكري غير مُعلن يغذي أتون حرب مستعرة منذ أكثر من ألف يوم. وأظهرت صور أقمار صناعية وسجلات طيران حصلت عليها نيويورك تايمز، إلى جانب إفادات مسؤولين غربيين وعرب، أن طائرات مسيرة انطلقت من قاعدة داخل مشروع “شرق العوينات” الزراعي المصري نفذت ضربات لصالح الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع على مدى ستة أشهر على الأقل.
ويفتح هذا الكشف باباً خطيراً على تدويل الصراع السوداني، حيث تتصاعد وتيرة حرب بالوكالة بين قوى إقليمية متنافسة. فبينما تتهم تقارير الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بطائرات مسيرة صينية، تدعم السعودية وقطر الجيش السوداني الذي حصل أيضاً على طائرات تركية متطورة وأسلحة من إيران وروسيا. وتحولت مصر، وفقاً للمعطيات الجديدة، من لاعب دبلوماسي إلى طرف عسكري فعلي في الصراع، خاصة بعد سقوط مدينة الفاشر في دارفور أواخر أكتوبر الماضي، والذي شكّل نقطة تحول دفعتها لكسر حيادها.
وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد حذر في ديسمبر الماضي من تجاوز “خط أحمر” في السودان، في وقتٍ كانت طائرات “أقنجي” التركية ذات القدرات المتطورة تبدأ بتنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي السودانية، مستهدفة قوافل إمداد ومواقع لقوات الدعم السريع على بعد أكثر من 800 ميل من القاعدة المصرية.
وبعيداً عن الخطوط العسكرية، يدفع المدنيون السودانيون الثمن الأكبر، حيث أصابت الضربات المسيرة بنى تحتية حيوية كالمستشفيات ومحطات المياه، بينما تستمر الغارات العشوائية في حصد الأرواح. ويغذي سباق التسلح هذا موارد مالية ضخمة من عمليات تهريب الذهب التي تسارعت مع ارتفاع أسعاره العالمية، مما يطيل أمد الصراع دون أفق للحسم.
وتكمن المفارقة في أن القاعدة الجوية التي انطلقت منها الضربات أُنشئت داخل مشروع زراعي طالما روّجت له السلطات المصرية كنموذج للتنمية، حيث تظهر الصور توسعاً كبيراً شمل مدرجاً ثانياً وحظائر عسكرية متقدمة منذ عام 2018. وفي تطوّر يهدد بتوسيع رقعة الحرب، أصدرت قوات الدعم السريع تهديدات تعتبر أي طائرة مسيرة تقلع من “قاعدة أجنبية” هدفاً مشروعاً لها، بينما تواصل الولايات المتحدة اتهاماتها لكلا الطرفين باستخدام أسلحة محرمة وفشلها في وقف تدفق السلاح.
وهكذا يبدو السودان اليوم ساحة مفتوحة لحرب بالوكالة، تُدار من عواصم إقليمية وعالمية، بينما يُترك شعبه يواجه مصيراً قاسياً بين الجوع والنزوح والقصف الذي لا يتوقف من السماء.
