الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمحاكمة ميت: عدلهم يُقام على قبر الحقيقة بقلم حسن عبد الرضي الشيخ

محاكمة ميت: عدلهم يُقام على قبر الحقيقة بقلم حسن عبد الرضي الشيخ

سودان تمورو:
في مشهدٍ يصلح لأن يُدرَّس في كليات العبث السياسي، قررت السلطات أن تحاكم مجموعةً من السياسيين غيابيًا، في ملهاةٍ أقرب إلى الفضيحة منها إلى القضاء، بادعاء أنهم أوقدوا نار الحرب.
مع أن من أشعلوها معروفون—وإن لم يكونوا هم من أطلق الشرارة الأولى—فلماذا لم يُطفئوها ما داموا يزعمون القدرة؟
وكما يقول المثل السوداني: «عينهم في الفيل ويطعنوا في ضِلُّه».
غير أن أطرف—وأفدح—فصول هذه المسرحية الساخرة هو محاكمة محمدان حمدان دقلو «حميدتي».
نعم، يحاكمونه!
يحاكمونه لأن المسرح يحتاج مشهدًا مرعبًا، ولو كان بطل هذا المشهد—بحسب رواياتهم هم—قد «مات وشبع موتًا» منذ الأيام الأولى للحرب.
ومع ذلك فهو—في منطق الواقع—حيٌّ يُرزق؛ والدليل أنه ما يزال يُلحق بهم الهزائم.
وهذه نتيجةٌ طبيعية لجرثومة العنف التي حُقن بها مرارًا:
مرةً حين تعمّدت دولة ٥٦ تجهيل أجيالٍ ادّخرتها للاستخدام،
ومرةً حين عُطِّن في عنف المؤسسة التي أسسها الاستعمار لتمارس القهر على الشعب السوداني الأعزل،
ومرةً ثالثة حين أُفسد بما أُغدق عليه من رشى ليكون طوع بنانهم في تنفيذ أقذر الأدوار التي عجزوا هم عن مباشرتها.
ومع ذلك، لا تزال أكاذيبهم تتردد؛
فمنذ أكثر من عام وهم يروّجون أن قوات الدعم السريع قد انتهت، ولم يتبقَّ لها سوى «ستة تاتشرات»!
لكن تلك «الستة»—في مفارقةٍ فاضحة—ابتلعت إقليم دارفور بكامله،
ونزعت أطيان العُمَد من أيديهم كالشعرة من العجين،
وعرّت مني أركو مناوي من سلطةٍ بلا أرض،
وجبريل إبراهيم من خرقة اتفاق جوبا التي كان يستر بها ما تبقى من هيبةٍ سياسية.
السؤال البسيط الذي لم يجد طريقه إلى قاعة المحكمة:
لماذا لم تُثبتوا أولًا أن حميدتي حي، قبل أن تفضحوا أنفسكم بفرية محاكمته؟
فالشائعات التي أطلقتها أبواق النظام ما تزال تعشعش في أذهان البسطاء،
وتحليلات المتعجلين ما تزال تدور في أفقٍ محدود،
وأناشيد النصر التي صدح بها «محللو الغفلة» لم يجف حبرها بعد.
ومع ذلك… المحكمة منعقدة.
وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن الضمير هو الغائب الحقيقي، لا المتهم.
بل إن الضمير—في هذه الحكاية—ميت، لا غائب فحسب.
فمن الذي يستحق المحاكمة فعلًا؟
قبل أن تحاكموا من كنتم تشيعون أنه «ميت»، أليس الأجدر أن تُحاكموا من أشاعوا موته؟
أولئك الذين ملأوا الشاشات ضجيجًا وتحليلًا،
وجزموا—بلا تردد—بأن الرجل قد انتهى إلى غير رجعة.
حاكموا الفريق صلاح عبد الخالق،
الذي يدّعي خبرةً عسكرية لم تمنعه من السقوط في يقينٍ زائف،
رغم انحناءته الشهيرة في التحية العسكرية لحميدتي حين مُنح رتبة فريق.
ويجب محاسبة اللواء عبد الباسط عبد الهادي، وغيره،
وأولهم البرهان،
الذي لم يحاول يومًا تبديد وهم موت حميدتي من أذهان البسطاء،
بل ترك الوهم يتضخم، ظنًا منه أن ذلك سيُضعف خصمه.
وتجب مساءلة إعلاميي الضلال، ومحللي اللحظة، وكهنة الاستوديوهات؛
فها هم اليوم يلفّهم صمتٌ مريب لا يحرون جوابًا…
صمتٌ لا يقل جرمًا عن الكذب الصريح.
إن كانت العدالة ستطرق بابًا، فلتبدأ من هنا.
كيف تُحاكمون من أشعتم أنه ميت، يا موتى الضمير؟
فالمحاكم تُعقد للأحياء، أو—على الأقل—لمن ثبتت حياتهم قبل توجيه الاتهام.
أما أن تُقيموا محاكمةً لميتٍ—بحسب روايتكم—فذلك ليس عدلًا، بل طقسٌ جنائزي للمنطق.
فكيف لكم—وأنتم آخر من يحق له النطق بكلمة «العدل»—أن تتحدثوا عن دولة القانون؟
أيُّ قانونٍ هذا الذي يبدأ بإصدار الأحكام ثم يبحث عن المتهم؟
وأيُّ عدالةٍ هذه التي تُدار بروح الثأر لا بروح الحقيقة؟
من صنع التمرد؟
يا سادة، دعونا نكفّ عن التمثيل.
قوات الدعم السريع لم تهبط من السماء، ولم تولد من فراغ.
صانعها معروف، ومُسمّيها معروف، ومُمكِّنها معروف، ومغذّوها بالعنف معروفون.
عمر البشير هو من أطلق على قائدها لقب «حمايتي»،
وعبد الفتاح البرهان هو من أتى بحميدتي نائبًا له في مجلس السيادة،
غصبًا عن نص الوثيقة الدستورية التي لا تنص على منصب نائب للرئيس.
وهو من فتح له أبواب الاقتصاد،
ومكّنه من الذهب والشركات والموانئ،
وشرعن—باسم الوطن—الارتزاق في حرب اليمن عبر نظام الإنقاذ البائد.
ثم، حين انفلت الوحش من القفص…
قررتم فجأة أنكم لم تعرفوه؟
العدالة لا تبدأ من الحلقة الأضعف.
وإن كان لا بد من محاكمة—ومحاكمات السودان كثيرة ولا تُعقد—
فلتبدأ بمن أسّس وشرعن ومكّن، وصمت، وكذب على الناس، وباع الدولة قطعةً قطعة، ثم تظاهر بالدهشة.
أما محاكمة «حميدتي»—الميت في عرفكم—
فليست سوى محاولة رديئة لغسل الأيدي من دمٍ لم يجف بعد.
أن تحاكموا رجلًا لم تُثبتوا حياته،
وألا تحاكموا نظامًا كاملًا صنع الكارثة،
فهذا ليس عدلًا انتقاليًا…
بل عدالةٌ انتقائية بعينٍ واحدة، وضميرٍ ميت، وقانونٌ مُحنّط.
رحم الله الحقيقة في هذا البلد؛
فقد ماتت فعلًا…
ولم تجد من يعقد لها محاكمة.
أما آخر النكات السوداء،
فهي أن «كيكل»—بعد أن فُرضت عليه عقوبات بريطانية—
انتفض غاضبًا في خطبةٍ يتساءل:
«بريطانيا كانت وين لما العدو انتهك الحرمات في الجزيرة والسريحة وود النورة؟»
فجاءه الرد الساخر من الناس:
«العدو دا ما كان إنت؟».

الراكوبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات