خاص سودان تمورو
في السودان اليوم لا تبدو القبيلة مجرد مكوّن اجتماعي متجذر في التاريخ، بل تتحول – بفعل فاعل – إلى أداة صراع سياسي وعسكري، تُستدعى عند الحاجة وتُلقى في أتون الحرب عند الضرورة. الخطر لا يكمن في وجود القبيلة، فهي حقيقة اجتماعية سابقة على الدولة الحديثة، بل في توظيفها من قِبل بعض السياسيين والعسكريين سلّماً للصعود الشخصي، حتى لو كان الثمن تمزيق نسيجها أو تعريضها لخطر الفناء.
منذ حقبة حكم عمر البشير جرى ترسيخ معادلة خطيرة.. استبدال المواطنة بالمكوّن، والكفاءة بالمحاصصة، والدولة بالولاء. لم تعد القبيلة مجرد رابطة اجتماعية، بل تحولت إلى وحدة سياسية غير معلنة، تُوزع على أساسها المناصب، وتُبنى عبرها التحالفات، ويُعاد تشكيل موازين القوة. وفي هذا المناخ، نشأت ميليشيات ذات طابع قبلي، وتكوّنت حركات مسلحة مضادة بالمنطق نفسه، فتآكلت هيبة الدولة وتضخمت العصبيات.
الحرب الأخيرة عمّقت هذا المسار، وأعادت القبيلة إلى واجهة المشهد لا باعتبارها ضحية فحسب، بل باعتبارها أداة تعبئة وحشد. غير أن الأخطر من ذلك هو أن بعض القيادات لم تكتفِ بالاحتماء بقبائلها، بل دفعت بها إلى خط النار من أجل معارك نفوذ شخصية.
في دارفور تبدو قبيلة الرزيقات أمام اختبار قاسٍ بفعل صراع الطموح بين اثنين من أبرز أبنائها.. محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي” وموسى هلال. كلاهما صعد عبر بوابة التعبئة القبلية، وكلاهما سعى لتكريس زعامة تتجاوز الإطار الأهلي إلى المجال السيادي. غير أن تضارب الطموحين وضع القبيلة ذاتها في مهب الانقسام، وجعل أبناءها عرضة للاصطفاف في صراع قد لا يربح فيه أحد. حين تتحول الزعامة إلى معركة كسر عظم، تصبح القبيلة وقوداً، لا مظلة حماية.
المفارقة أن هذا النموذج لا يقتصر على الرزيقات. في حالة الزغاوة برز اسما مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، اللذان شقّا طريقهما إلى السلطة عبر مسارات مسلحة وسياسية متعاقبة. في مراحل سابقة خاضت حركاتهما مواجهات مع الجيش السوداني تحت شعارات التهميش والعدالة، واليوم يجد أبناء القبيلة أنفسهم في معادلات قتال جديدة، بعضها ضد قوات الدعم السريع، وبعضها في اصطفافات متقاطعة. وبين الأمس واليوم ظل الثابت أن القادة يتقدمون إلى مواقع القرار، بينما تدفع القواعد الاجتماعية كلفة الدم والنزوح والانتظار.
أما في حالة الفور فإن تجربة عبد الواحد محمد نور تكشف بعداً آخر للمسألة. فقد استطاع الرجل أن يحتفظ برمزية واسعة داخل قبيلته، لكنه في المقابل رسّخ عزلة سياسية طويلة، رافضاً تسويات عديدة، ومتمسكاً بخطاب ثوري لا يقبل أنصاف الحلول. وبينما يُبرَّر ذلك بالثبات على المبادئ، يتساءل كثيرون عن كلفة هذا الجمود على مجتمع أنهكته المعسكرات والحروب. هنا أيضاً يبرز السؤال.. متى تتحول القضية العامة إلى رهينة لطموح فردي؟
ليست المشكلة في أن ينتمي السياسي أو العسكري إلى قبيلة؛ فهذا أمر طبيعي في مجتمع لم تكتمل فيه عملية الاندماج الوطني. المشكلة حين تصبح القبيلة أداة تعبئة دائمة، ومصدراً حصرياً للشرعية، ودرعاً يُختبأ خلفه من المساءلة. عندها تُختزل الدولة في موازين مكونات، وتتحول الوظيفة العامة إلى غنيمة، ويغدو السلاح لغة تفاوض.
التقارير والدراسات التي تناولت البعد القبلي للصراع في السودان تشير إلى أن الحرب الراهنة لم تخلق العصبية، لكنها ضاعفت من حضورها. في ظل انهيار المؤسسات، وانكفاء الأحزاب، وضعف النقابات، عادت القبيلة لتملأ الفراغ. وحين تضعف الدولة، تتقدم الهويات الأولية. لكن استمرار هذا المسار يعني تثبيت معادلة خطرة.. كلما اشتعلت الحرب، ازداد النفوذ القبلي؛ وكلما ازداد النفوذ القبلي، تعقّد بناء الدولة.
ثورة ديسمبر 2018 فتحت نافذة أمل لصعود قوى حديثة عابرة للقبائل، لكن الانقسامات والصراعات الحزبية أضعفت هذا المسار، وسمحت بعودة منطق المكونات. ومع تعثر المرحلة الانتقالية، ورضوخ الحكومات لضغوط زعماء أهليين في أكثر من محطة، تعزز الشعور بأن القبيلة ما تزال الرقم الأصعب.
السودان اليوم بحاجة إلى معادلة مختلفة.. لا إلغاء للقبيلة، ولا شيطنة لها، بل إعادة تعريف دورها. القبيلة يمكن أن تكون فضاءً للتعارف والتكافل وحفظ السلم الأهلي، لا منصة لتشكيل الجيوش ولا مخزوناً بشرياً لحروب الزعماء. يحتاج السودانيون – حكومةً وشعباً ومنظمات مجتمع مدني – إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة، ويضع السلاح تحت مظلة مؤسسة عسكرية مهنية واحدة، ويُخضع السياسي للمساءلة لا لحماية العصبية.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس تعدد البنادق فحسب، بل تعدد الولاءات. وحين يصبح الولاء للزعيم القبلي مقدماً على الولاء للدولة، تغدو البلاد مجموعة ساحات نفوذ لا وطناً جامعاً. الطريق إلى الدولة المدنية لا يمر عبر سحق القبائل، بل عبر تحييدها سياسياً، وإعادتها إلى دورها الاجتماعي الطبيعي.
وإلا فإن النخب ستظل تسوق أبناء عمومتها إلى المتاريس، فيما يتآكل السودان قطعةً قطعة، باسم الحماية حيناً، وباسم الكرامة حيناً آخر، بينما الحقيقة أبسط وأقسى.. إنها معركة سلطة، تدفع ثمنها القبائل قبل غيرها.
