الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباركيف تُغتال الدول العربية من الداخل وتُسلّم مفاتيحها للفوضى؟.. بقلم سلمى صديق

كيف تُغتال الدول العربية من الداخل وتُسلّم مفاتيحها للفوضى؟.. بقلم سلمى صديق

سودان تمورو
لم تعد الأزمات الطاحنة التي تعصف بأرجاء واسعة من العالم العربي والقرن الإفريقي مجرد صراعات داخلية عابرة، أو نتاجاً حتمياً لهشاشة مؤسسات الدولة وتعثر مسارات الانتقال السياسي. إن القراءة المتأنية لخريطة الدماء والخراب الممتدة من ضفاف النيل إلى خليج عدن، تكشف عن حقيقة جيوسياسية أشد قسوة؛ تتمثل في وجود تدخلات إقليمية ممنهجة تُدار بمنطق “النفوذ عبر الفوضى”. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز نمط استراتيجي متكرر تقوده دولة الإمارات، يعتمد أساساً على رعاية وتمويل قوى مسلحة موازية للدولة، أو احتضان كيانات انفصالية مسلحة، في مسعى براغماتي يؤدي عملياً إلى تقويض السلطات المركزية وإدامة حالة الانقسام. هذه المقاربة الخطيرة لا تستهدف إنتاج واقع جديد ومستقر، بل تهدف إلى خلق ما يمكن تسميته بـ **”اللااستقرار المُدار”**، وهو وضع تكتيكي يخدم حسابات جيوسياسية تتقاطع بشكل مريب مع مصالح قوى خارجية كبرى، وتدفع شعوب المنطقة أثمانه الباهظة من دمائها ومستقبلها.
ولعل الساحة السودانية تقدم الدليل الأكثر دموية على المآلات الكارثية لهذه السياسة. فما انفجر في أبريل/نيسان من عام 2023 لم يكن مجرد تمرد عسكري تقليدي أو خلاف تكتيكي بين جنرالين، بل كان حلقة متفجرة في سلسلة طويلة من الاستثمار الخارجي في الميليشيات. لقد أدت الرعاية الإماراتية لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” -والتي خرجت من عباءة ميليشيات الجنجويد سيئة السمعة- إلى تحويل فصيل مسلح إلى وحش موازٍ للدولة يبتلع مؤسساتها. وبدلاً من دعم تفكيك هذه البنى الميليشياوية لتمهيد الطريق نحو تحول ديمقراطي حقيقي بعد سقوط نظام البشير في عام 2019، تم ضخ المال والسلاح والشرعية السياسية لتحويل قائد ميليشياوي إلى لاعب إقليمي محوري. والنتيجة اليوم هي انزلاق السودان في آتون حرب عبثية ذاتية التدمير، تتغذى على استمرار تدفق الدعم الخارجي، وتفرز واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، من مجاعات عاصفة وموجات نزوح مليونيّة، وصولاً إلى التفكك التام للنسيج المجتمعي. إن فقدان السودان لوزنه الجيوسياسي، كحلقة وصل استراتيجية بين العالمين العربي والإفريقي وعلى ضفاف البحر الأحمر، يحيله إلى مجرد ساحة مفتوحة لاستنزاف الموارد والنفوذ الأجنبي.
ولا يتوقف قطار هذه الاستراتيجية عند حدود السودان، بل يمتد جنوباً ليعبث بالجغرافيا السياسية الهشة للقرن الإفريقي. في الصومال، تلعب أبوظبي دوراً شديد الخطورة عبر تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري للسلطات الانفصالية في إقليم “صوماليلاند” المتمركزة في هرجيسا. إن هذا المسار الذي يتجاوز الحكومة الفدرالية الشرعية في مقديشو، يكرس واقع الانقسام الذي بدأ بإعلان الاستقلال أحادي الجانب عام 1991. ومن خلال الاستحواذ على موانئ استراتيجية مثل ميناء بربرة عبر شركة موانئ دبي العالمية، وتطوير قواعد عسكرية خارج إطار الدولة المركزية، تُرسل رسالة مدمرة للنخب المحلية مفادها أن التحالف مع القوى الخارجية يكفل السلطة والثروة بعيداً عن سيادة الوطن. هذا السلوك ينسف أي جهود حقيقية للمصالحة الصومالية، ويبقي البلاد في حالة من الشلل المؤسسي والفقر المدقع، بينما تحكم القوى الأجنبية قبضتها على مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
وإذا ما عبرنا البحر الأحمر نحو الخاصرة الرخوة لشبه الجزيرة العربية، تتجلى النسخة الأكثر وضوحاً لسياسة التفتيت الممنهج في اليمن. فمنذ هندسة تأسيس “المجلس الانتقالي الجنوبي” في عام 2017، عملت الإمارات على تسليح وتدريب وتمويل هذا الكيان. لم تكن السيطرة المتكررة على العاصمة المؤقتة عدن، ولا الانقضاض الأخير على محافظات حضرموت والمهرة وإخراج مجلس القيادة الرئاسي من الجنوب، مجرد انتفاضات عفوية، بل تنفيذ دقيق لورقة عمل تهدف إلى وأد الدولة اليمنية من الداخل وتجميد الصراع في حالة من التمزق الدائم. إن هذا التفتيت المتعمد لليمن أجهض أي أمل في بناء جبهة وطنية موحدة للسلام، وأحال التحالفات المفترضة إلى صراعات بين الإخوة الأعداء، جاعلاً من تقسيم البلاد إلى كانتونات متناحرة واقعاً سياسياً مفروضاً بقوة السلاح.
**إن الخيط الرفيع الذي يربط بين نيران الخرطوم، وتصدعات مقديشو، وانقسامات عدن**، هو التقاطع العميق والمقلق بين هذه السياسات الإقليمية وبين العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية التاريخية. فلطالما نظرت تل أبيب إلى الدول العربية الكبيرة والمؤثرة على أنها تهديد كامن يجب تحييده عبر استراتيجية “شد الأطراف” وتفتيت المركز. إن تفريخ الميليشيات، وإضعاف الجيوش الوطنية، وخلق كيانات هشة تتنازع على الموارد والهوية، يصب مباشرة في مصلحة إسرائيل التي تسعى لضمان تفوقها المطلق وهيمنتها على الممرات المائية الحيوية، من البحر الأحمر وحتى شاخ إفريقيا. وقد تجلت أهمية هذا الهاجس الأمني الإسرائيلي بوضوح إبان معركة “طوفان الأقصى”، حين أثبتت القوى اليمنية قدرتها على فرض حصار بحري خانق أربك الحسابات الاقتصادية والعسكرية لكيان الاحتلال، مما يؤكد أن أي تعافٍ ووحدة للدول العربية المطلة على هذا المحور يمثل تهديداً استراتيجياً للمشروع الإسرائيلي.
في النهاية، يثبت مسار التاريخ أن اللعب بورقة “الفوضى المدارة” هو رهان على برميل بارود سينفجر عاجلاً أم آجلاً في وجه الجميع. إن المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم الذي تندفع إليه المنطقة لا يكمن في مساومات توزيع النفوذ بين أمراء الحرب وحماتهم الإقليميين، بل في الانقلاب الجذري على هذا المنطق التدميري. ويتطلب ذلك وقفاً فورياً وحازماً لكل أشكال الدعم الخارجي للميليشيات، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة، وإطلاق مسارات حوار سياسي حقيقي لا يقصي أحداً ولا يرتهن لإملاءات الخارج. فبدون دول سيادية، قوية وموحدة، سيبقى جسد هذه الأمة مسرحاً مفتوحاً لعمليات البتر الجيوسياسي، وسيبقى المواطن العربي والإفريقي يدفع وحده ضريبة هذه الخرائط التي تُعمد بالدم وتُرسَم بنيران التدخلات الأجنبية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات