الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا تعجز الأغلبية الأميركية عن كبح آلة الحرب؟.. محمد الطيب

لماذا تعجز الأغلبية الأميركية عن كبح آلة الحرب؟.. محمد الطيب

سودان تمورو
في خضم أزيز الرصاص وتصاعد أعمدة الدخان الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية، تبرز إلى السطح مفارقة سياسية شديدة التعقيد؛ ففي حين تؤكد لغة الأرقام واستطلاعات الرأي أن الأغلبية الساحقة من الشارع الأميركي تقف موقفاً رافضاً لهذه الحرب، يواصل صانع القرار في البيت الأبيض المضي قدماً في خياراته العسكرية دون أن يواجه جداراً مجتمعياً يصدعه أو يجبره على التراجع. إن هذا التناقض الظاهري بين غضب الشارع وصمت المؤسسات لا يمكن تفكيكه والوقوف على أسبابه العميقة دون الغوص في البنية المعقدة للمجتمع السياسي الأميركي، وفهم الآليات التي يتفاعل بها هذا المجتمع مع قضايا السياسة الخارجية، والتي تختلف جذرياً عن مقاربته لشؤونه الداخلية.
ولعل الخطوة الأولى لفهم هذه الاستعصاء تكمن في تشريح بنية هذا الرفض الشعبي الذي يبدو في ظاهره كاسحاً، ولكنه في جوهره مشظى بفعل الاستقطاب الحزبي الحاد. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه معدلات الرفض بين الديمقراطيين والمستقلين لتسجل أرقاماً غير مسبوقة بلغت 76% و 47% على التوالي، نجد أن القاعدة الجماهيرية للحزب الجمهوري تسير في اتجاه معاكس تماماً. فقد أظهرت أحدث البيانات أن معدلات تأييد الحرب داخل المعسكر الجمهوري قد قفزت من 55% قبل اندلاع الأزمة إلى 66% في خضمها، لتتقلص نسبة المعارضين بينهم إلى ما لا يتجاوز 11%. هذا الالتفاف الحزبي الصلب يمنح إدارة ترامب درعاً سياسياً واقياً، ومساحة واسعة للمناورة، مما يخفف من وطأة الضغوط التي تمارسها الأغلبية المعارضة.
وفي السياق ذاته، تبرز معضلة “الناخب المستقل”، تلك الكتلة الحرجة التي طالما لعبت دور بيضة القبان في حسم المعارك الانتخابية الأميركية. فرغم أهميتهم الاستراتيجية، يعاني المستقلون من حالة انقسام عمودي حيال الحرب، حيث ينشطرون بالتساوي تقريباً بين رافض قاطع، ومؤيد حذر، ومتردد تائه بين السرديات المتصارعة. وبناءً على ذلك، لا تستشعر إدارة ترامب خطراً داهماً من هذه الكتلة في الوقت الراهن، بل تراهن باطمئنان على قدرتها على استمالتهم وإعادة توجيه بوصلتهم عبر الماكينة الإعلامية خلال الأشهر القليلة التي تفصل البلاد عن استحقاق انتخابات التجديد النصفي.
بيد أن العامل الأكثر حسماً في هذه المعادلة يكمن في الطبيعة التاريخية للرأي العام الأميركي، والذي يتسم بانكفائه نحو الداخل وعزوفه عن الانخراط العميق في تعقيدات السياسة الخارجية، ما لم تمس عصبه الحي. فالأميركي العادي نادراً ما يضع القضايا الدولية في صدارة اهتماماته، وحتى في ذروة قرع طبول الحرب وتصاعد التوترات الجيوسياسية، بالكاد يتابع نصف المجتمع مجريات الأحداث. وبالتالي، فإن الفئة التي تمتلك الوعي والدافعية لترجمة رفضها إلى حراك سياسي نشط واحتجاجات ميدانية تبقى أقلية ضئيلة، وهو ما يفسر محدودية المظاهرات وتواضع حجمها في المدن الأميركية مقارنة بحجم الحدث.
غير أن هذا السكون المجتمعي ليس شيكاً على بياض للإدارة الأميركية، بل هو هدوء مشروط ومعلق بخيط رفيع اسمه “الاقتصاد”. فالمجتمع الأميركي شديد الحساسية والبراغماتية عندما يتعلق الأمر بمستوى معيشته وأمنه الاقتصادي، وهنا تكمن الخاصرة الرخوة التي تراهن عليها الأطراف الأخرى. إن استراتيجية إغلاق مضيق هرمز واستهداف شرايين الطاقة العالمية لم تأتِ من فراغ، بل هي محاولة مدروسة بعناية لرفع أسعار النفط، وبالتالي تصدير التضخم إلى الداخل الأميركي، لتحويل الحرب من شأن خارجي بعيد إلى أزمة معيشية يومية تستفز جيب المواطن وتدفعه للانتفاض ضد سياسات البيت الأبيض.
وحتى اللحظة، ورغم التململ الملحوظ من ارتفاع أسعار الوقود في بعض الولايات، لم تصل الارتدادات التضخمية للحرب إلى نقطة الغليان التي تزلزل الأرض تحت أقدام الإدارة. يعود ذلك جزئياً إلى امتلاك واشنطن لأدوات اقتصادية مؤقتة تمتص الصدمات في أسواق النفط، مدعومة بحملة دعائية جمهورية مكثفة تروج لسردية أن ما يمر به الأميركيون ليس سوى “ألم قصير الأمد من أجل مكسب استراتيجي طويل الأمد”. كما أن غياب الخسائر البشرية الفادحة في صفوف القوات الأميركية، وعدم تعرض البنية التحتية العسكرية لضربات قاصمة، ساهما في تخدير الوعي الجمعي وإبقاء مستويات الغضب تحت السيطرة.
لكن المراهنة على إدارة هذا المشهد لفترة أطول تبدو محفوفة بالمخاطر، فالساعة الرملية تعمل ضد ترامب إذا ما طال أمد الصراع في مضيق هرمز والمنشآت النفطية الإقليمية لأكثر من شهر. إن استمرار الأزمة يعني حتماً تآكل المظلة الاقتصادية وتسرب التضخم إلى مفاصل الحياة اليومية، وحينها لن يقف الشارع الأميركي، بما في ذلك شرائح من الجمهوريين، موقف المتفرج. هذا التحول المحتمل في المزاج الشعبي سينتقل كالنار في الهشيم إلى أروقة الكونغرس، حيث يجلس نواب وسناتورات جمهوريون يمثلون ولايات متأرجحة. هؤلاء المشرعون، الذين يدينون بمقاعدهم لأصوات الديمقراطيين والمستقلين، سيجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاصطدام المباشر مع ترامب ومعارضة الحرب علناً، أو مواجهة مقصلة الانتخابات النصفية التي لن ترحم من تواطأ على تدمير معيشة ناخبيه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات