سودان تمورو
في مسرح حرب المعلومات المضطرب، حيث تُصاغ الروايات لتصبح أسلحة فتاكة، وحيث يمكن لكلمة واحدة أن تشعل نيراناً هائلة، يبرز حدثٌ إعلاميٌّ حديث كمثال مصغر لكيفية تحوير الحقائق وتوظيفها في خدمة أجندات أوسع. لقد ضجت بعض وسائل الإعلام وشبكات التواصل الناطقة بالفارسية مؤخراً بخبر مفاده أن دونالد ترامب قد “أدان الإيرانيين بسبب جيناتهم الوراثية”، متهماً إياه بإطلاق تصريحات عنصرية مباشرة ضد الشعب الإيراني. إلا أن العودة إلى النص الأصلي للمقابلة التي أجريت معه عبر أثير “فوكس نيوز” تكشف عن صورة أكثر تعقيداً، وتلقي الضوء على ضرورة التمسك بالدقة كحصن أخلاقي أخير في وجه التضليل. كانت تصريحات ترامب في الواقع رد فعل على سلسلة من الهجمات العنيفة داخل الولايات المتحدة، وعندما أشار إلى “خلل ما” في المهاجمين مستخدماً مصطلح “الجينات”، كان يتحدث عن مرتكبي تلك الجرائم في سياق سياسات الهجرة والأمن الداخلي الأميركي. وفي حين أن هذا الخطاب بحد ذاته خطير ويستدعي النقد الشديد، لما يحمله من أصداء قاتمة للعنصرية العلمية الزائفة التي سعت تاريخياً لربط السلوك الإجرامي بالتركيب البيولوجي، فإن النقطة الجوهرية التي غابت في الترجمة الفارسية هي أن ترامب لم يوجه اتهامه صراحةً للإيرانيين. إن تحويل تصريحه العام إلى هجوم مباشر على أمة بأكملها ليس مجرد خطأ في الدقة الصحفية، بل هو تغذية متعمدة أو غير مقصودة لآلة دعاية تسعى لإشعال الفتنة، وهو ما يوضح كيف يمكن أن يصبح تشويه الحقيقة، حتى في أبسط صوره، جزءاً من لعبة أكبر وأكثر تدميراً.
هذا التشويه الإعلامي، على خطورته، ليس سوى صدى خافت لمشروع أكثر شراً وعمقاً يُحاك اليوم ضد إيران، مشروع لا يكتفي بإضعاف الدولة أو حتى إسقاطها، بل يهدف إلى اغتيال المجتمع نفسه. إن ما تسعى إليه إسرائيل وحلفاؤها في المرحلة الراهنة يتجاوز مفهوم تحويل إيران إلى “دولة فاشلة” ليدخل في مرحلة أكثر فتكاً، وهي تحويلها إلى “مجتمع فاشل”. إذا تمعنا في نمط الهجمات الأخيرة، واختيار الأهداف بعناية فائقة، والرسائل السياسية والإعلامية التي تحيط بها، يتضح لنا أن الأبعاد تتجاوز مجرد تآكل بنية الحكم. إن استهداف المنشآت العسكرية، والقواعد الجوية، ومراكز القيادة والسيطرة، وقوات إنفاذ القانون، لا يهدف فقط إلى شل القدرات الدفاعية والأمنية للدولة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع نطاقاً لتقويض قدرة النظام على الحفاظ على التماسك، وفرض السلطة، وإدارة الأزمات. لكن هذه ليست سوى الطبقة السطحية من المؤامرة.
الهدف الأخطر والأكثر حسماً هو تفكيك النسيج الاجتماعي، وزرع بذور الشقاق الذي لا يندمل بين مكونات المجتمع الإيراني، بحيث يستحيل معه التعايش. المجتمع الفاشل ليس مجرد مجتمع تحكمه دولة ضعيفة، بل هو مجتمع فقد فيه الأفراد القدرة على رؤية بعضهم البعض كخصوم سياسيين أو معارضين، وبدأوا ينظرون إلى بعضهم كأعداء وجوديين. في هذه الحالة المأساوية، يصبح بقاء كل طرف مشروطاً بإلغاء الطرف الآخر أو سحقه أو إذلاله. هذه هي النقطة التي يتجاوز فيها المجتمع مرحلة الأزمة السياسية الحادة، ليدخل في دوامة الطائفية المقيتة، ونزع الإنسانية عن الخصم، وحلقات الانتقام المفرغة التي لا تنتهي. هنا يكمن الخطر الأعظم الذي يتربص بإيران اليوم؛ فإذا تحولت خطوط الانقسام الاجتماعي والسياسي والثقافي والجيلي إلى خطوط عداء وجودي، فإن المسألة لن تعود مجرد صراع على السلطة، بل ستصبح انهياراً كاملاً لإمكانية العيش المشترك ضمن كيان سياسي واحد. في ظل هذه الظروف، يتحول الجار إلى عدو، وابن المدينة إلى تهديد، ويصبح الاختلاف السياسي رخصة أخلاقية لممارسة العنف الأعمى.
لقد كانت الأحداث المرة التي شهدتها ايران أواخر ديسمبر، وردود الفعل التي تبلورت خلالها، مؤشرات مقلقة على هذا المسار الانحداري. لم تكن تلك الأحداث مجرد وقائع عابرة، بل فتحت الباب على مصراعيه لتفعيل دوامة العنف التي إن لم تُكبح جماحها، قد تخرج عن السيطرة بسرعة كارثية. واليوم، يجب فهم الرسائل التي يكتبها العدو ويقرأها أتباع نظام بهلوي، والتي تتحدث عن “الحرس الخالد” واحتمالية تفعيله في الليالي القادمة، خاصة على أعتاب “الأربعاء الأخير من السنة”، ضمن هذا السياق التدميري. هذه ليست مجرد دعوات سياسية، بل هي جزء من محاولة ممنهجة لتحويل الفضاء العام إلى ساحة اقتتال داخلي، ودفع الشارع نحو التطرف، وجر المجتمع إلى نقطة اللاعودة.
يجب القول بملء الفم: إن التهديد الأكبر الذي يواجه المجتمع الإيراني اليوم ليس مجرد هجوم خارجي أو ضعف في هياكل الحكم، بل هو وصول المجتمع إلى نقطة يتبخر فيها الحد الأدنى من الثقة والتسامح وضبط النفس، وتتلاشى معها القدرة على إعادة إنتاج التضامن الاجتماعي. إذا وقع هذا المحظور، فلن يكون إصلاح هياكل الدولة كافياً، لأن ما سينهار هو النسيج الاجتماعي والأخلاقي للمجتمع بأسره. ومن هنا، فإن الأولوية القصوى اليوم يجب أن تكون تجنب الوقوع في هذا الفخ القاتل. لا يعني هذا التساهل مع القوى المسلحة التي قد تلجأ إلى العنف، بل يعني تجفيف منابع اللعبة التي يرسمها مهندسو هذا السيناريو. يجب التصرف بطريقة تمنع تحويل الشارع إلى ملعب للقوى التي تستفيد من تعميق الانقسام والعنف. وهذا يتطلب قراراً عاجلاً، ومبادرة سياسية، وعملاً استباقياً. إن على النظام السياسي ونخب ايران أن يركزوا كل طاقاتهم على منع تحول الأزمة إلى دوامة عنف اجتماعي، سواء عبر الأساليب التقليدية من فرض قيود وضوابط مؤقتة، أو عبر أساليب غير تقليدية وخلاقة، ما يُعرف بـ”التفكير خارج الصندوق”. إن الوقت هو العامل الحاسم، ونافذة التدخل تضيق بسرعة. في الساعات الثماني والأربعين، بل الأربع والعشرين القادمة، يجب إيجاد حلول تمنع انزلاق الفضاء العام نحو مواجهات داخلية أشد ضراوة. إن أي تباطؤ في هذه اللحظات الحرجة يخدم فقط أولئك الذين يسعون إلى تحطيم الدولة والمجتمع في آن واحد. إن الدفاع عن إيران اليوم لم يعد يقتصر على الدفاع عن الحدود والمؤسسات الرسمية، بل هو دفاع عن إمكانية التعايش، وعن حقيقة أنه لا يمكن بناء أي مستقبل على أنقاض الكراهية ونزع الإنسانية وثقافة الانتقام.
