سودان تمورو
في خضم التحولات الدراماتيكية التي تعصف بالمنطقة، تقف أسواق الطاقة العالمية على شفا حفرة من أزمة غير مسبوقة تنذر بانفلات عقال أسعار النفط بصورة مروعة. إن القراءة المتأنية للمشهد الراهن، في ظل الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز الذي يمثل الشريان الأهم لتدفقات الطاقة، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أسواق الخام على وشك الانفلات بقوة تدميرية خلال الأيام السبعة المقبلة، لتحدث قفزة كارثية وجدية ستزلزل أركان الاقتصاد العالمي وتتجاوز كل التوقعات المتداولة.
وأمام هذا الانسداد الاستراتيجي، تجد الدول المستهلكة نفسها في مواجهة معضلة أمنية واقتصادية خانقة؛ ففي أقصى حالات التفاؤل وتحت وطأة الضرورة القصوى، لن تجرؤ هذه الدول على ضخ أكثر من نصف مخزوناتها النفطية الاستراتيجية في شرايين الأسواق العالمية. إن حالة الهلع المكتوم التي تسيطر على عواصم القرار العالمي تنبع من قراءة عميقة ومتشائمة لمستقبل المنطقة، حيث تُجمع التقديرات على أن أمن الطاقة يتجه نحو مسار شديد الاضطراب والضبابية. ولهذا السبب تحديداً، تعتبر الحكومات الكبرى أن التفريط في الجزء الأكبر من احتياطياتها السيادية بمثابة انتحار استراتيجي، ولن تسمح مطلقاً باستهلاك أكثر من خمسين بالمئة من تلك المخزونات، تحسباً للأسوأ الذي لم يأتِ بعد.
وفي محاولة لامتصاص صدمة الأسواق المذعورة، تتصدر الولايات المتحدة المشهد ملوحة بقدرتها على التدخل، ومدعية أنها تضخ أقصى طاقاتها من الاحتياطيات النفطية لتعويض النقص القاتل. غير أن الواقع البنيوي ولغة الأرقام الصارمة يفضحان هشاشة هذا الطرح؛ فالبنية التحتية لشبكات الأنابيب الأميركية، والحدود اللوجستية لقدراتها التصديرية، تضع سقفاً حديدياً لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال. إذ لا تستطيع واشنطن، حتى في ذروة استنفارها، تصدير أكثر من مليونين ونصف المليون برميل يومياً إلى الأسواق العالمية. هذا الرقم، مهما بُذلت الجهود لتضخيمه إعلامياً، لا يعدو كونه قطرة ضئيلة في محيط العجز الهائل الذي سيخلفه غياب تدفقات مضيق هرمز.
إن العد التنازلي قد بدأ بالفعل، وعقارب الساعة تتسارع نحو لحظة الحقيقة المرة. فالنقص الفعلي والمادي في إمدادات الذهب الأسود سيبدأ في ضرب مفاصل الأسواق العالمية بشكل جدي وحاد خلال بضعة أيام. ومع جفاف منابع الإمداد الرئيسية وعجز المخزونات البديلة والقدرات التصديرية الأميركية عن سد هذه الهوة السحيقة، فإن الأسبوع المقبل سيكون شاهداً على تحرر عنيف ومفزع لـ “شاخص” أسعار النفط، ليحقق وثبة تاريخية مجنونة ستضع العالم بأسره أمام أزمة طاقة لم يشهد لها مثيلاً في التاريخ الحديث.
