الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبار"سلاح التجويع" ينهش أجساد الملايين وسط خذلان دولي

“سلاح التجويع” ينهش أجساد الملايين وسط خذلان دولي

خاص سودان تمورو
مرة أخرى، تتعالى الأصوات لتلفت الأنظار إلى مأساة إنسانية بلغت ذروة التعقيد في السودان؛ حيث يواجه الملايين شبح الموت جوعاً، وسط تقارير أممية تدق ناقوس الخطر محذرة من تقصير دولي مريع. إن المجتمع الدولي، الذي يبدو غارقاً في صمته، لا يأبه لمعاناة السودانيين الذين يفتك بهم الجوع، ويجاهد أغلبهم من أجل البقاء في ظل ظروف قاسية حكمت عليهم بالاكتفاء بوجبة واحدة يومياً، هي في حقيقتها “سد رمق” لا تسمن ولا تغني من جوع.
وتتجسد المأساة في أقسى صورها عند الأطفال وكبار السن، والنساء على وجه الخصوص؛ فالحوامل والمرضعات يعانين من فقر غذائي حاد أدى إلى جفاف أثدائهن، فعجزت عن إدرار قطرة لبن لأطفال وُلدوا في أتون الحرب، محرومين من الغذاء والعلاج. هؤلاء الصغار الذين استقبلوا الحياة في ظروف بالغة السوء، لم تجد أمهاتهم أدنى مقومات التغذية أثناء الحمل ولا بعد الوضع، مما جعل صراعهم من أجل الحياة يبدأ منذ الصرخة الأولى.
وكشف تقرير حديث صادر عن كبرى المنظمات الدولية (مثل “العمل ضد الجوع”، و”كير الدولية”، و”لجنة الإنقاذ الدولية”) عن واقع مأساوي؛ ففي شمال دارفور وجنوب كردفان، تقضي عائلات بأكملها أياماً دون كسرة خبز واحدة، مما اضطر الكثيرين إلى أكل أوراق الشجر وأعلاف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. وبينما تنفي الحكومة السودانية وجود مجاعة، وتتنصل قوات الدعم السريع من مسؤولياتها، تظل الحقيقة المرة فوق كل ادعاء.
ووفقاً لخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، وصلت الكارثة إلى أرقام مرعبة:
• 28.9 مليون نسمة (حوالي 61.7% من السكان) يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
• إعلان حالة المجاعة رسمياً في مدينة الفاشر ومنطقة كادقلي.
• تجاوز مستويات سوء التغذية الحاد معايير المجاعة في منطقتي أمبرو وكرنوي.
ولا تقتصر المأساة على نقص الموارد، بل تؤكد التقارير استخدام “التجويع” كأداة متعمدة في الصراع؛ حيث يتم تدمير المزارع والأسواق بشكل منهجي، وتعطيل عجلة الزراعة. وفي الوقت الذي تشتد فيه الحاجة، تعجز “المطابخ الجماعية” (التكايا) عن تلبية الطلب المتزايد بسبب التخفيضات الكبيرة في تمويل الجهات المانحة، مما ترك وكالات الإغاثة مكتوفة الأيدي.
النساء والفتيات هن الأكثر تضرراً؛ إذ يواجهن مخاطر الاغتصاب والتحرش عند الخروج للبحث عن الماء أو الغذاء. كما تشير الإحصاءات إلى أن الأسر التي تعيلها نساء هي أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي بثلاثة أضعاف مقارنة بالأسر التي يعيلها رجال، مما يضع عبئاً أخلاقياً ونفسياً لا يطاق على كاهل المرأة السودانية.
إن ما يحدث في السودان هو مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وذات أبعاد وجودية تتجاوز مجرد نقص الغذاء. إن استمرار تجاهل المجتمع الدولي لمسؤولياته الأخلاقية تجاه هؤلاء الأبرياء لا يمثل فشلاً سياسياً فحسب، بل هو انهيار قيمي وأخلاقي شامل يضع الضمير الإنساني العالمي في قفص الاتهام.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات