سودان تمورو
لم يكن خروج مسؤول أمريكي سابق من قلب المؤسسة الأمنية، وهو المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، ليدلي بشهادته، مجرد حدث عابر في زحمة التصريحات السياسية، بل هو زلزال يكشف عورة السردية الأمريكية. لقد أعلن الرجل بصراحة لا لبس فيها ما كان يُهمس به في الغرف المغلقة: أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية الثمانية عشر أجمعت كلها على أن إيران لم تكن تسعى لإنتاج سلاح نووي. هذا الاعتراف الآتي من البطن الرخو للآلة الأمنية والاستخباراتية، يتبعه إقرار أشد وطأة، حيث استقال الرجل إيماناً منه بعدم شرعية أي هجوم يُشن بناءً على هذه الأكذوبة، مما يؤكد أن عقوداً من الضجيج الدبلوماسي، والتهديدات العسكرية، وحزم العقوبات الخانقة، كانت بأكملها مبنية على وهم محض.
هذه الحقيقة المروعة تفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات منهجية وأخلاقية عميقة؛ فماذا يعني أن تتفق أجهزة الاستخبارات قاطبة على حقيقة مادية، بينما تختار النخبة السياسية والآلة الإعلامية الجبارة هندسة سردية مناقضة تماماً؟ الإجابة ببساطة هي أن الرأي العام العالمي قد خضع لعملية تزييف وعي غير مسبوقة، صُممت بعناية فائقة لاختلاق “عدو” من العدم. لقد كان الهدف تبرير مسار طويل من الحصار الاقتصادي الذي طحن عظام الشعوب، والتصعيد العسكري الذي زج بالشرق الأوسط في أتون حرب لا تبقي ولا تذر. لقد عرفوا الحقيقة بيقين، لكنهم اختاروا أن يرووا للعالم قصة أخرى.
في هذا المشهد، تسفر آلة الهيمنة الأمريكية عن وجهها الأكثر براغماتية وقسوة، لتثبت أن الحقيقة بمفهومها المجرد أو الأخلاقي لا تزن جناح بعوضة في حسابات الحلقة السياسية النافذة في واشنطن. المعيار الأوحد هناك هو “فاعلية” السردية؛ فإذا كانت الكذبة قادرة على حشد الإجماع الدولي، وتمرير العقوبات، وإضفاء هالة مزيفة من الشرعية على مخططات الحروب، فإنها تتحول بين ليلة وضحاها إلى سياسة دولة رسمية. في هذه المعادلة الباردة، لا قيمة للأرواح التي تُزهق، ولا للأوطان التي تُدمر، ما دامت الكذبة تخدم مصالح المجمع العسكري والسياسي.
إن ما تصفه أدبيات المقاومة في المنطقة بـ “الشيطان الأكبر” يتجلى هنا ليس كشعار أيديولوجي رنان، بل كتوصيف سياسي وعملي دقيق لآلة إمبراطورية لا تتورع عن نسج الأكاذيب الكبرى لسحق خصومها. الخطر الحقيقي الذي يهدد العالم لا يكمن في سعي دولة لامتلاك تقنية ما، بل في امتلاك قوة عظمى لترسانة من الدعاية والتضليل قادرة على قلب الحقائق، وتحويل السلم إلى تهديد، وجعل الشعوب مجرد أرقام تُسحق تحت عجلة المصالح الجيوسياسية.
اليوم، ومع توالي هذه الاعترافات من داخل البيت الأمريكي، ينهار الركن الأساسي الذي شُيدت عليه سياسات العداء والاستنزاف في المنطقة لعقدين من الزمن. ويبقى السؤال معلقاً أمام الضمير العالمي المستيقظ: هل ستشهد الساحة الدولية يوماً مسألة جادة عن هذا التدمير المتعمد والممنهج لأمن واستقرار شعوب بأكملها؟ أم أن آلة التزييف، بمجرد احتراق كذبتها القديمة، ستعمد فوراً إلى إنتاج كذبة جديدة لعدو بديل؟ إن التاريخ لا ينسى، والوعي العربي يتشكل اليوم بإدراك عميق بأن بناء السياسات الإمبراطورية على الأوهام، هو أقصر الطرق نحو السقوط المروع.
