سودان تمورو
رُغم التوترات الإقليمية التي تعيشها المنطقة وعلى رأسها دولة الإمارات بسبب حرب إيران، قام النظام الإماراتي بترتيب شبكة إمداداته العسكرية الموجهة إلى قوات الدعم السريع في السودان، في محاولة لتطوير مسارات لوجستية جديدة تنطلق من دول الجوار السوداني، مثل إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، بما يضمن استمرار تدفق الدعم لهذه القوات شبه العسكرية.
بحسب تقارير استخباراتية وأمنية، في مساء الثلاثاء 17 مارس، وقبيل موجة جديدة من الضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي استهدفت الإمارات، أقلعت طائرة شحن من طراز A300 في حدود الساعة السابعة مساءً، يُرجح أنها انطلقت من مطار الفجيرة، حيث تم إيقاف جهاز الإرسال الخاص بها أثناء الرحلة، متجهة إلى أديس أبابا في إثيوبيا. ولم تكن هذه الرحلة الأولى من نوعها، إذ نفذت الطائرة نفسها ما لا يقل عن تسع رحلات مماثلة خلال الشهر الماضي نحو شرق ووسط أفريقيا، رغم صعوبة تتبع وجهاتها النهائية بسبب ضعف الرقابة الجوية في تلك المناطق.
الطائرة مسجلة في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ يناير تحت الرمز TL-AIT، وكانت مملوكة سابقًا لشركة “غيوان إيرويز”، وهي شركة شحن جوي تابعة لمجموعة NG9 Holding المرتبطة بجزء من استثمارات شقيق رئيس الإمارات محمد بن زايد. وقد سبق الإشارة إلى هذه الشركة في تقارير متعددة بسبب دورها في الجسر الجوي الذي أنشأته أبو ظبي لتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة.
ومنذ أبريل 2023، تخوض هذه القوات، بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ“حميدتي”، حربًا مدمرة ضد الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان. وتشير بيانات بعض مواقع تتبع الرحلات إلى أن هذه الطائرة، إلى جانب طائرة أخرى من نفس الطراز مسجلة تحت الرمز TL-ARU، تُشغَّلان حاليًا من قبل شركة “Invicta Air Cargo”، وهي شركة شحن أُسست في أغسطس 2025 في بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى على يد مواطن إماراتي. ورغم محاولات إخفاء الروابط، فإن موقع الشركة يرتبط مباشرة بموقع “غيوان إيرويز”.
تكشف هذه التحركات عن توجه إماراتي لتوسيع شبكات الإمداد عبر دول مثل إثيوبيا، حيث أُنشئ معسكر تدريب لقوات الدعم السريع عام 2025، وكذلك عبر جمهورية أفريقيا الوسطى، التي شهدت في الأشهر الأخيرة زيادة ملحوظة في الاستثمارات الإماراتية. فبعد توقيع اتفاقية تعاون اقتصادي بين محمد بن زايد والرئيس فوستين-أرشانج تواديرا في مارس 2025، أُعلن عن مشاريع كبيرة في بانغي، من بينها بناء مطار دولي جديد ومحطة طاقة شمسية ضخمة.
يرى محللون أن هذا التوسع الاقتصادي قد يكون غطاءً لتحويل أفريقيا الوسطى إلى نقطة عبور لوجستية لشحنات الأسلحة المتجهة إلى السودان. وتشير مصادر أمنية ودبلوماسية إلى أن بعض الإمدادات مرت عبر بانغي ثم إلى مدينة بيراو شمال البلاد، قبل أن تتمكن قوات الدعم السريع من السيطرة على الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في أكتوبر 2025.
في تشاد المجاورة، تتزايد الضغوط على الرئيس محمد إدريس ديبي، وسط اتهامات بمساعدته في دعم قوات الدعم السريع تلبية لرغبات الإمارات، التي تُعد أحد أبرز داعميه ماليًا. وقد أدى امتداد النزاع السوداني إلى داخل الأراضي التشادية إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة، من بينها إغلاق الحدود الممتدة لنحو 1400 كيلومتر في فبراير الماضي. كما شهدت بلدة تيني الحدودية هجومًا بطائرة مسيّرة أسفر عن مقتل نحو 15 شخصًا، في سلسلة من الهجمات القادمة من داخل السودان منذ ديسمبر 2025.
ورغم استمرار الإمدادات عبر تشاد، فإنها أصبحت أكثر سرية. فقد توقف استخدام مطار أم جرس، الذي كان يشهد سابقًا هبوط طائرات شحن بشكل منتظم، بينما تستمر بعض الرحلات الليلية إلى العاصمة نجامينا ولكن بوتيرة أقل، وغالبًا مع إيقاف أجهزة التتبع لتجنب الرصد.
في المقابل، لا تزال ليبيا أحد أهم الممرات الرئيسية لنقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، خاصة في إقليم برقة الخاضع لسيطرة خليفة حفتر، حليف أبوظبي. وتتحرك القوافل العسكرية بشكل مستمر نحو السودان، فيما تشير تقارير إلى تنفيذ نحو 600 رحلة جوية بين أبوظبي وقاعدة الكفرة في جنوب شرق ليبيا خلال عام 2025، قبل نقل الإمدادات إلى مواقع قوات الدعم السريع في الفاشر ونيالا.
هذه التحركات لم تمر دون ردود فعل، خاصة من مصر، التي تدعم الجيش السوداني بقيادة البرهان. وبعد توجيه عدة تحذيرات لحفتر، قامت القاهرة بنشر طائرات مسيّرة في جنوب البلاد لتنفيذ ضربات ضد مواقع قوات الدعم السريع في المنطقة الحدودية. وفي نوفمبر 2025، استهدفت هذه الضربات شاحنات تابعة لقوات حميدتي في دارفور، ما أدى إلى تراجع نسبي في وتيرة الإمدادات، وفقًا لمصادر دبلوماسية في المنطقة.
