سودان تمورو
في ظل اشتعال خرائط الجغرافيا السياسية وتصاعد لغة التهديد حول شرايين التجارة العالمية، تتراءى لأنقرة فرصة ذهبية لإعادة التموضع كمركز ثقل آمن لا غنى عنه. فمع استمرار الاضطرابات التي تعصف بالطرق التقليدية، من حرب العقوبات في روسيا وإيران، إلى التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر والخليج، تخطط القيادة التركية بخطى حثيثة لفتح حدودها المغلقة تاريخياً مع أرمينيا، في مسعى طموح لتفعيل ما يُعرف بـ “الممر الأوسط”. هذا الطريق التجاري، الذي يحظى بدعم واشنطن، يُراد له أن يكون شرياناً برياً يربط أوروبا بآسيا، والبديل الاستراتيجي الذي يحرر تدفقات السلع والطاقة من قبضة النقاط الساخنة، وعلى رأسها مضيق هرمز المُثقل بنذر المواجهات العسكرية.
منذ أن لوّحت طهران في يونيو الماضي بورقة إغلاق مضيق هرمز، استنفرت أنقرة جهودها الدبلوماسية واللوجستية لتسويق نفسها كممر تجاري مستدام وموثوق. القراءة التركية للمشهد تبدو براغماتية بامتياز؛ إذ تسعى لاستثمار حالة القلق الدولي من الاختناقات البحرية، وتقديم الجغرافيا التركية كطوق نجاة للاقتصاد العالمي، بعيداً عن تقلبات السياسة في طهران وموسكو، وبمنأى عن مسارح العمليات العسكرية التي باتت تهدد سلاسل الإمداد عبر الممرات المائية الكلاسيكية.
غير أن هذه الرؤية التركية، رغم جاذبيتها النظرية وبريقها الاستراتيجي، تصطدم بجدار صلب من التحديات اللوجستية التي تجعل من تحولها إلى واقع ملموس مهمة شاقة للغاية. فالاعتماد على هذا الممر يعني التسليم برحلات بطيئة عبر مياه بحر قزوين، والتعامل مع بنية تحتية متهالكة وشبكات سكك حديدية متباينة في عرض مساراتها بين دولة وأخرى، ناهيك عن غابة من التعقيدات الجمركية والبيروقراطية عند عبور عدة حدود دولية متتالية؛ وهي عقبات هيكلية تقوض بطبيعتها عامل السرعة الذي يمثل عصب التجارة الدولية.
ولا تقتصر المعضلات على الجانب اللوجستي، بل تتجاوزه إلى فخاخ الجغرافيا السياسية التي لا ترحم. فالمسار المقترح يحاذي الحدود الإيرانية، مما يجعله في مرمى النيران وعُرضة للتهديد المباشر في حال اندلاع أي صراع مفتوح. ومن جهة أخرى، يثير هذا التحرك حفيظة الدب الروسي الذي ينظر إلى منطقة القوقاز كحديقة خلفية خالصة لنفوذه التاريخي. وقد تجلت هذه الهواجس الروسية بوضوح مطلع هذا الشهر، عندما وجه الرئيس فلاديمير بوتين تحذيراً شديد اللهجة لأرمينيا، ملوحاً بسلاح تقليص إمدادات الغاز الروسي إذا ما استمرت يريفان في إعادة توجيه بوصلتها التجارية نحو أوروبا عبر البوابة التركية.
أمام هذه التشابكات المعقدة، يقف الخبراء الاقتصاديون وصناع القرار التجاري موقف المتشكك. فالإجماع السائد اليوم يميل إلى أن الرهان على طرق برية تقطع أوراسيا عبر تركيا لتشكل بديلاً سريعاً أو ناجعاً للممرات البحرية الاستراتيجية في الخليج، أو حتى للممر الشمالي الذي تهيمن عليه روسيا، ليس سوى أضغاث أحلام في المدى المنظور. فالجغرافيا لا تُطوع بالأمنيات، وتغيير خرائط التجارة العالمية يتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد طموحات سياسية تصطدم بوقائع الأرض وتوازنات القوة الإقليمية.
