سودان تمورو
لم تكن طهران بمعزل عن دوي المدافع في أوكرانيا؛ فبينما كان العالم يراقب الخرائط وتغير خطوط التماس، كانت العقول العسكرية الإيرانية تعكف على تشريح تلك المعارك بعين فاحصة، بحثاً عن دروس استراتيجية تعيد بها هندسة ترسانتها تحسباً لأيام غضب قادمة. هذا الاستنتاج ليس محض تكهن، بل هو حصيلة ما كشفته أروقة الصحافة الغربية، وتحديداً صحيفة “فاينانشال تايمز”، التي غاصت في عمق الأدبيات العسكرية الإيرانية لتكتشف أن طهران حولت الساحة الأوكرانية إلى مختبر حي ومجاني لتطوير قدراتها، استعداداً لصدامات حتمية مع واشنطن وتل أبيب.
اللافت في هذا الحراك البحثي داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، هو ذلك الإدراك المبكر لطبيعة الحروب الحديثة. ففي الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم يكن الضباط المخضرمون، أمثال حسين دادوند، يقرأون المشهد من زاوية سياسية بحتة، بل كانوا يبحثون عن إجابات لأسئلة معقدة تتعلق بمرونة الصناعات الدفاعية، وكيفية توظيف التكنولوجيا بتكلفة زهيدة. وقد تجلى ذلك في التركيز الصريح على استخدام “الطابعات ثلاثية الأبعاد” لإنتاج أسراب من الطائرات المسيرة الرخيصة، وإدماج “الذكاء الاصطناعي” في توجيه الأسلحة، في محاكاة دقيقة لكيفية صمود جيش أصغر أمام آلة عسكرية كاسحة.
عند تتبع أكثر من 300 مقال نُشرت في المجلات الدفاعية الإيرانية خلال السنوات الخمس الماضية، تتضح ملامح استراتيجية التكيف التي تنتهجها طهران. هذه المقالات لا تكتفي باستعراض القوة، بل تضع يدها بشفافية لافتة على مكامن الضعف الإيرانية. القادة العسكريون هناك يدركون جيداً الفجوة التكنولوجية مع خصومهم، ولذلك تعالت التحذيرات بضرورة الإسراع في استقطاب العقول والكفاءات، وإعادة صياغة برامج التدريب العسكري، مع توجيه البوصلة نحو تقنيات المستقبل كالليزر، وحرب الفضاء، والطائرات المسيرة، باعتبارها أوراق اللعب الرابحة في أي مواجهة إقليمية أو دولية مرتقبة.
وفي قلب هذا التحول، يبرز ملف تحديث القوات الجوية الإيرانية كأحد أهم التحديات التي واجهت صانع القرار العسكري. فالمقالات التي خطها قادة بحجم عزيز نصيرزاده، القائد السابق للقوات الجوية ووزير الدفاع المستشهد حديثاً، لم تكن مجرد تنظير أكاديمي، بل كانت صرخة إنذار بضرورة تحديث الأسطول الجوي عبر الاستحواذ على مقاتلات “سوخوي-35” الروسية. ورغم ما أثاره هذا الطرح من جدل داخلي، فإن تأكيد طهران للمضي قدماً في هذه الصفقة عقب تولي نصيرزاده وزارة الدفاع، يثبت أن الرؤى المنشورة في تلك الدوريات العسكرية تجد طريقها للتنفيذ، خاصة مع التوجه نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف وتحديث البنية التحتية للقواعد الجوية.
ولا يتوقف طموح التحديث عند السماء، بل يمتد إلى تأمين الخاصرة البحرية والساحلية عبر تكتيكات الحرب غير المتماثلة. السيناريوهات التي يرسمها الضباط الإيرانيون للتعامل مع أزمات محتملة، كتفتيش السفن في مضيق هرمز أو صد أي إنزال برمائي معادٍ، تعتمد بشكل جذري على أساليب المواجهة المبتكرة، كآليات ردع غير تقليدية قادرة على إرباك أساطيل الخصوم وتقييد حركتها في الممرات المائية الحيوية.
هذا الزخم البحثي، وإن كانت التحليلات التقنية والعسكرية فيه تتفوق منهجياً على نظيراتها الأمريكية. وما يمكن قراءته بوضوح بين سطور تلك المنشورات، هو شعور إيراني متنامٍ بتراجع الهيمنة الأمريكية، يترافق مع طموح جامح لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، مع إبقاء عين الحذر مفتوحة على التهديدات القريبة، لا سيما التحالفات الأمنية المعقدة في المحيط الإقليمي كعلاقة أذربيجان بإسرائيل، والتي تُعد صداعاً أمنياً لا يغيب عن حسابات صانع القرار في طهران.
