سودان تمورو
خلافاً للإدراك السائد في دوائر صنع القرار بطهران، لم يعد “الحصار البحري” مجرد ورقة ضغط عابرة أو تكتيكاً جديداً لإدارة الصراع، بل بات يتبلور كاستراتيجية أمريكية بديلة ومكتملة الأركان للعمليات العسكرية المباشرة. فالولايات المتحدة تدرك جيداً أن خنق طهران اقتصادياً وتوجيه ضربة قاصمة وطويلة الأمد لمرونتها وقدرتها على الصمود، يمكن تحقيقه دون تكبد الفواتير الباهظة للحروب الشاملة. هذا التحول في التفكير الاستراتيجي يضعنا أمام واقع جديد، حيث يصبح الخنق الهادئ أشد فتكاً من دوي المدافع.
وإذا ما دققنا النظر في المشهد الجيوسياسي، سنجد مفارقة صارخة تعمق من جراح طهران في هذا السيناريو؛ ففي حين أن بدء الحصار البحري سيفقد إيران شريانها الرئيسي لتصدير النفط ويصيب اقتصادها في مقتل، فإن حلفاء واشنطن في المنطقة قد حصّنوا أنفسهم جيداً. عملاقا إنتاج النفط، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يمتلكان القدرة الفعلية على الالتفاف حول مضيق هرمز وتجاوز هذا الخنق البحري بأريحية عبر الاعتماد على موانئ استراتيجية بديلة كـ “ينبع” و”الفجيرة”، مما يضمن استمرار تدفق نفطهما إلى الأسواق العالمية بأمان.
النتيجة الحتمية لهذه المعادلة الماكرة هي عزل نفط إيران، ومعه نفط العراق والكويت، ومنع وصوله إلى الأسواق. وفي ذات الوقت، تسقط ورقة التهديد بأسعار الطاقة العالمية؛ إذ من المرجح أن تظل أسعار النفط حبيسة حاجز ما دون الـ 100 دولار للبرميل. ويعود ذلك إلى حزمة من الإجراءات الاستباقية تشمل تحرير الاحتياطيات الاستراتيجية، وتمديد الإعفاءات الممنوحة للنفط الروسي، فضلاً عن استمرار الإمدادات السعودية والإماراتية. ولعل الخاسر الأكبر من غياب هذا النفط المحاصر، بعد طهران بطبيعة الحال، هو التنين الصيني الذي يُعد المشتري الرئيسي لنفط الدول الثلاث.
وما يزيد من دهاء هذا الفخ الأمريكي هو التوقيت؛ فمن خلال هندسة هذا الحصار وتطبيقه تحت مظلة “وقف إطلاق النار” أو الهدوء العسكري النسبي، تُجرد واشنطن طهران من مبررات وأدوات الرد العسكري غير المتماثل الذي طالما لوحت به لتهديد المصالح النفطية والاقتصادية في المنطقة. وفي نهاية المطاف، ما لم تبتكر القيادة الإيرانية استجابة استراتيجية ذكية لكسر هذا الطوق، فإن هذا الحصار سيتحول حتماً إلى السلاح العقابي الأكثر موثوقية والأقل كلفة للإدارة الأمريكية لسنوات قادمة.
