الأحد, أبريل 26, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيسماسرة في حقل ألغام!.. بقلم نزار أحمد

سماسرة في حقل ألغام!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

في دهاليز واشنطن حيث تتشابك المصالح السياسية بصفقات المال، فجّر سيناتور ديمقراطي بارز قنبلة سياسية لم تترك مجالاً للشك حول “هواة” الإدارة الأمريكية في التعاطي مع أعقد ملفات الشرق الأوسط. لم يكن النقد هذه المرة مجرد مناكفة حزبية عابرة، بل تشريحاً لواقع مرير يضع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، والمستثمر العقاري ستيف ويتكوف، في مواجهة مباشرة مع طهران؛ مواجهة يراها مراقبون أنها تفتقر لأبسط أدوات الدبلوماسية وتغرق في تضارب المصالح.
إن الحديث عن افتقار “فريق ترامب” للمهارة والخبرة التفاوضية ليس مجرد اتهام مرسل، بل هو توصيف دقيق لرجال اعتادوا إغلاق صفقات الأبراج والمنتجعات، بينما يتطلب الملف الإيراني نفساً طويلاً وفهماً عميقاً لتوازنات القوى الإقليمية والنووية. حين يصف السيناتور هؤلاء المبعوثين بأنهم “فاقدون للأدوات”، فإنه يشير بوضوح إلى أن إيران، التي راوغت كبار الدبلوماسيين الدوليين لعقود، لن تكون “لقمة سائغة” لمفاوضين يظنون أن السياسة الخارجية يمكن إدارتها بعقلية “مانهاتن” التجارية.
لكن المأزق لا يتوقف عند حدود الكفاءة الفنية، بل يمتد إلى ما هو أخطر: “النزاهة المالية”. إن ارتباط ثروات كوشنر وويتكوف بشبكات مصالح مع أنظمة في المنطقة يضع علامات استفهام كبرى حول حيادية المفاوض االأمريكي. كيف يمكن لمن ترتبط حساباتهم البنكية بعواصم معادية لطهران أن ينسجوا خيوط اتفاق متوازن؟ هذا التداخل بين “الجيب والسياسة” يحول المهمة الدبلوماسية من سعي نحو الاستقرار إلى محاولة لتحقيق مكاسب فئوية، وهو ما وصفه المشرعون الأمريكيون بأنه “فاجعة كبرى” تهدد الأمن القومي.
الواقع أن طهران، التي تتقن فن “حياكة السجاد” السياسي، تراقب هذا المشهد بنوع من البرود الاستراتيجي. فالفوضى في المعسكر الأمريكي، وغياب الدبلوماسيين المحترفين، يمنح الجانب الإيراني أوراقاً إضافية للمناورة. فكلما كان المفاوض المقابل غارقاً في تضارب مصالحه أو مفتقراً للخبرة، زادت فرص طهران في انتزاع أثمان باهظة مقابل تنازلات شكلية، مما يجعل أي اتفاق مستقبلي مجرد بناء هش آيل للسقوط عند أول هزة.
إن إدارة ملف بسيادة التعامل مع الجمهورية الإسلامية عبر “بوابة المصاهرة والمقاولات” تعكس أزمة عميقة في مطبخ القرار الأمريكي. فالدبلوماسية ليست مجرد لقاءات لالتقاط الصور أو توقيع مذكرات تفاهم سطحية؛ هي علم وفن وقبل ذلك “تجرد” من المصالح الشخصية. وما يحدث الآن هو مقامرة بمصير منطقة بأكملها، حيث يُدفع بهواة إلى حقل ألغام لا يرحم، مسلحين فقط بعلاقات عائلية وطموحات مالية عابرة للحدود.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال المعلق في فضاء واشنطن: هل تدرك الإدارة أن اللعب مع إيران يتطلب “رجال دولة” لا “رجال أعمال”؟ إن الاستمرار في هذا النهج لا يعني الفشل في الوصول إلى اتفاق فحسب، بل يعني تشريع الأبواب أمام مواجهة غير محسوبة العواقب. فالتاريخ لا يرحم من يخلط بين مكاتب الصرافة وطاولات التفاوض الدولية، والأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت “الفاجعة الكبرى” قد بدأت فصولها بالفعل خلف الأبواب الموصدة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات