سودان تمورو
يتجاوز المشهد السوريّ الحالي، مجرّد تواتر الأخبار اليومية المتسارعة، ليصيغ نمطاً غريباً من البراغماتية السياسية التي تجهد الإدارة السورية الجديدة في اتّباعها.
فالجولات الخارجية الأخيرة التي بدأت من “منتدى أنطاليا” لتشمل عواصم خليجية ومحطات أوروبية عبر قبرص، ليست مجرّد زيارات دبلوماسية، بل هي جزء أساسي من عملية تجميل سياسية تتضمّن هروباً إلى الأمام من استحقاقات داخلية كثيرة ومُلحّة، ووثوباً نحو محاولات تقديم سوريا كعنصرٍ أو طرف أساسيّ ضروريّ للاقتصاد العالميّ، تفرضه التطوّرات الأخيرة التي أحدثتها الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز. كما تهدف في الجزء الأوروبي منها، إلى نزع صفة “التشدّد” عن النظام الجديد، والحفاظ على “الشرعية الدولية” التي مُنحَت له.
ورسميّاً، أعلن وزير الخارجية السورية، أسعد الشيباني، يوم الأربعاء الماضي، اختتام جولة الرئيس أحمد الشرع إلى الخليج، معتبراً أنّ الجولة التي بدأت بلقاء ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في العاصمة الرياض، وانتهت بلقاء رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد في أبي ظبي، مروراً بلقاء أمير قطر، تميم بن حمد، في الدوحة، قد ركّزت على “تعزيز العلاقات الأخوية الراسخة، وبحث سبل دفع عجلة التنمية الإقتصادية وإعادة الإعمار”، مؤكّداً “موقف سوريا الثابت إلى جانب الأشقاء العرب، والتضامن الكامل في مواجهة مختلف التهديدات”.
وبعيداً عن التصريحات الدبلوماسية، تشير المعلومات إلى أنّ “الاقتصاد” كان الموضوع الرئيسي الذي حمله المسؤولون السوريون إلى أنطاليا والخليج على السواء، وذلك من منطلق تقديم سوريا (بموقعها الجغرافي الهامّ) كفرصةٍ اقتصادية كبيرة للإقليم، من خلال جعلها بديلاً ممكناً لمرور نفط الخليج بعيداً عن مضيق هرمز وتعقيداته التي فرضتها الحرب. ومن الواضح أنّ تركيا تؤيّد هذا الطرح، من موقع الشريك فيه.
والواقع أنّ “صهاريج” النفط العراقي التي بدأت مؤخّراً بالتقاطر داخل الأراضي السورية، وصولاً إلى موانئها على البحر المتوسط، قد زادت من حماس السوريين وثقتهم بإمكان تأمين هذا الدور الجيوسياسي الهامّ المتعلّق بأمن الطاقة ومساراتها. وقد ركّزوا بالفعل خلال الجولة الخليجية، على طرح موضوع الأمن هذا، وقدرتهم على تحقيقه، محاولين استجرار الاستثمارات والمساعدات الخليجية المتعلّقة بإعادة الإعمار، من هذا الباب المفيد للجميع، من وجهة نظرهم.
لكنهم لم يتلقّوا، حتى اللحظة، أيّة موافقات رسمية أو جدّية على هذا المشروع. على الرغم من وجود آراء خليجية ترى في سوريا فرصاً عديدة واعدة تلتقي فيها مع الرؤية السورية المتعلّقة بإعادة الإعمار وبإمكانية استغلال الموقع الجغرافي لسوريا على صعيد خطوط نقل الطاقة. لكنّ المحاذير الخليجية تبدو وازنة هنا أيضاً، سواء لجهة الشكّ بمدى الاستقرار الأمني والداخلي عموماً في البلاد، أو لجهة العقوبات الغربية التي لم تُرفع بكلّيتها بعد، أو على مستوى ضعف البيئة القانونية المتعلقة بالاستثمار هنا. لذلك من غير المتوقّع أن نرى تغييراً ملموساً على هذا الصعيد في الفترة المنظورة.
وهذا السّعي الحثيث الذي يقوم به الساسة السوريون بهدف إعادة سوريا إلى الساحة الإقليمية والدولية، كما يردّدون دائماً، تعكسه التصريحات المستمرة خلال تلك الزيارات، عن “دور سوريا” في المنطقة، رغم أنّ ذاك الدور، قد ارتبط تاريخيّاً بأنظمة حكم مختلفة في توجّهاتها وعقائدها وطرائق تأثيرها، وحتى شعاراتها، عن توجّهات النظام الحالي. وظاهريّاً، تبدو هذه الطريقة في التعاطي السياسي الذي أُريد له أنْ يتظهّر بشكل أكبر خلال الجولة الأخيرة للرئيس السوري، أحمد الشرع، والوفود المرافقة له، محاولة للتأكيد أنّ سوريا تريد الخروج من “منطق المحاوِر”، والابتعاد عن التموضع في موقعٍ سياسي واضح بكلّ حساباته وآثارة العملية.
فدمشق تريد الانفتاح على مختلف القوى الإقليمية والدولية، ومنها دول الخليج كلّها، وهذا ليس سهلاً على بلدٍ يقع على حدود فلسطين المحتلة، وتحتلّ “إسرائيل” مساحات من أراضيه، وتتوغّل في عمقه كلّ يوم وتعتدي على سيادته، أو ضمن منطقةٍ تشهد عملية “إعادة ضبط” شبه مستحيلة، من خلال الحروب التي تتوسّع كلّ يوم لتطال مناطق جديدة على امتداد الإقليم. بل هذا غير ممكن لنظام جديد تُغطّى “شرعيته” الدولية بشروط عديدة قاهرة، يقع على رأسها أن يقوم بجهدٍ كبير لمصلحة محور عسكريّ يشنّ حرباً مدمّرة على بعض بلدان المنطقة وقواها المقاومة لمشروعه. ومن هنا، يبدو هذا “التوازن” غير ممكن والحال تلك.
وكما يبدو أيضاً، فإنّ هذه الإدارة السورية الحالية لا تبحث عن تحالفات سياسية أو عسكرية، بقدر ما تبحث عن شراكات اقتصادية تضمن استمراريتها ضمن منظومة إقليمية باتت بالغة التعقيد في الفترة الأخيرة. ويحدث هذا كلّه، في ظلّ أزمةٍ اقتصادية داخلية ما عاد ممكناً التغاضي عنها أو ترقيعها بعروض إعلامية بدائية وممجوجة، ما عادت تُقنع أحداً بين شرائح المجتمع الهائمة على وجوهها بحثاً عن أدنى متطلّبات الحياة والعيش الكريم.
وعلى هذا الصعيد، وفي موازاة التحرّكات الدبلوماسية الخارجية، يعود النظام إلى محاولة الإمساك بالمشهد الداخلي عبر تكتيكات “فصائلية” تهدف إلى امتصاص الاحتقان وتثبيت سلطته المركزية. ويبرز هنا ملف قائد “جيش الإسلام” سابقاً، عصام البويضاني، كنموذج للمناورة السياسية؛ فعودته من الإمارات بعد مسار قضائي معقّد، لم تكن مجرّد صدفة بهذا التوقيت، بقدر ما كانت “وساطة” مدروسة قام بها النظام لتهدئة شارع “جيش الإسلام” الذي بدأ يتململ بقوة ويهدّد بالتصعيد. إنّ لجوء النظام للتوسّط لخصم الأمس -الذي كادت تظاهرات أنصاره أن تتسبّب بأزمة دبلوماسية مع الخليج- يعكس رغبةً ملحّة في إغلاق الثغرات الأمنية الداخلية، وترسيخ صورة النظام القادر على احتواء جميع التناقضات.
وضمن السياق الداخلي ذاته، تتبع السلطة استراتيجية “الإنجازات المتلاحقة”، أو “التريندات”، في محاولةٍ للتغطية على الملفات الداخلية العالقة. فالقبض على المدعو أمجد اليوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة “حيّ التضامن” عام 2013، وإظهار تفاصيل العملية في الإعلام، يبدو في ظاهره انتصاراً للعدالة، لكنه في الجوهر يحمل بذور شكوك عميقة. فاعتراف اليوسف بارتكابه المجزرة من تلقاء نفسه، يطرح تساؤلات جوهرية باتت شريحة من السوريين تردّدها بالفعل حول الجدّية في كشف سلاسل القيادة المسؤولة عن عمليات كهذه وملاحقتها، خصوصاً أنّ شخصيات معروفة للسوريين بعلاقتها الأمنية بالأمر حينذاك، باتت محسوبة على السلطة الحالية بشكل واضح. هذا غير سكوت السلطة عن إطلاق حملات تحريض تحمل طابعاً طائفيّاً، وعدم بذل أيّ جهد رسميّ لإيقافها أو لجمها.
وهنا، يذهب حقوقيون سوريون إلى إطلاق وصف “العدالة الاستعراضية” على ما يحدث على هذا المستوى. خصوصاً أنها تذهب باتجاه إجراء محاكمات غيابية لرموز كبيرة من النظام السابق، بهدف إغلاق ملف “العدالة الانتقالية”، برأي هؤلاء، الذين يرون أنّ ما يجري هو سعي إلى تحويل الملف من قضية حقوقية شائكة، إلى عملية تصفية لتركة الماضي بهذا الشكل القانوني المنقوص، وذلك في الوقت الذي تمضي السلطة قدماً في إجراء تسويات مع رموز مالية وأمنية مرتبطة بالنظام السابق. وهنا، يصف بعض السوريين ما يحدث بأنه عملية “إعادة تدوير” للسلطة السابقة، بلبوسٍ جديد. والواقع أنّ مؤشرات كثيرة يراها السوريون جديرة باعتبارها دلالات على السير بهذا الاتجاه.
فعلى الصعيد الاقتصادي، هناك بون واضح بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، وتناقض ملحوظ بين الأرقام الرسمية التي تتحدّث عن أرقام عالية جدّاً للنمو والموازنة، وبين أرقام المصرف المركزي ووزارة المالية المعلنة. وهذا يعكس هشاشة البنية المؤسساتية ومحاولات “تقطيع الوقت” إلى حين حدوث أمر ما، على مستوى الاستثمارات الموعودة أو الدعم الخارجي على الأرجح. وقد تجلّى هذا الأمر مؤخّراً بشكل صارخ من خلال قرار المصرف المركزي، القاضي بإلزام شركات الصرافة بتسليم أموال الحوالات الخارجية بالليرة السورية، وبالسعر الرسمي الذي حدّده المصرف، في الوقت الذي يتمّ التأكيد يوميّاً، بأنّ الاقتصاد السوري بات حرّاً.
وهذا القرار ـــــ الذي جرى نفيه ثمّ إعادة تأكيده بشكل رسمي خلال 24 ساعة ـــــ يعيد إلى الأذهان، السياسات القمعية السابقة تجاه النقد الأجنبي، والرعب الذي كان يصاحب اسم “الدولار” في الداخل السوري.
ومع وجود فارق يقارب 15% بين السعر الرسمي للقطع الأجنبي وسعر السوق السوداء، فإنّ هذه الخطوة قد تدفع بالمواطنين إلى البحث عن قنوات تحويل غير رسمية، في بلد يعتمد غالبية سكانه في تدبير شؤون عيشهم الآن، على الحوالات الخارجية.
ما قد يستتبع بالضرورة “قبضة أمنية” صارمة لملاحقة المتاجرين بالعملة، وما قد يُدخل البلاد في دوامة اقتصادية – أمنية جديدة، كانت هي ذاتها، واحدة من أهمّ دوافع نقمة السوريين على النظام السابق في سنواته الأخيرة على وجه الخصوص.
كاتب سوري
