سودان تمورو
في حروب اليوم، لم يعد ميزان القوة يُقاس بعدد الطائرات، ولا بحجم الترسانة، ولا بتفوّق التكنولوجيا. كثيراً ما تُحسم المعارك بقدرة طرفٍ ما على اكتشاف نقطة الضعف في خصمه، ثمّ ضربها بأداة بسيطة، منخفضة الكلفة، عالية الأثر. وهذا تحديداً ما تفعله المُحلّقات الانتحارية التي يستخدمها حزب الله اليوم في مواجهته مع “إسرائيل”.
المشهد يبدو صادماً في دلالاته: “إسرائيل”، التي تمتلك واحدة من أكثر المنظومات العسكرية تطوّراً في المنطقة، من سلاح جو متقدّم، ومنظومات دفاع متعدّدة الطبقات، وقدرات استخبارية هائلة، تجد نفسها أمام تهديد تصنعه طائرة صغيرة، تُقاد عن بُعد من مسافة تصل إلى 15 كيلومتراً، وتحمل حتى 6 كيلوغرامات من المواد المتفجّرة، وتستطيع أن تُربك جبهة كاملة. هنا لا نتحدّث عن سلاح تقليدي، بل عن تحوّل في مفهوم القوة نفسه، وعن صدمة حقيقية للعقيدة الإسرائيلية.
عسكرياً: ضربة في قلب العقيدة الإسرائيلية
العقيدة العسكرية الإسرائيلية قامت تاريخياً على ثلاثة عناصر لا تتزعزع: التفوّق الجوي، سرعة المناورة البرية، ونقل المعركة إلى أرض الخصم. لكنّ المُحلّقات الانتحارية تمسّ هذه الركائز مباشرة، وتكشف هشاشتها.
فكلّ تحرّك لآلية، وكلّ تمركز لوحدة، وكلّ عملية إخلاء أو إمداد، يمكن أن يتحوّل إلى هدف مرئي ومكشوف. وهذا يعني عملياً تقليص حرية الحركة، وإبطاء الاندفاع، وفرض حالة من الحذر الدائم على القوات. “الجيش” الإسرائيلي، الذي اعتاد على حرية الحركة المطلقة، يجد نفسه اليوم مقيّداً، مكشوفاً، ومستنزفاً.
الأخطر من ذلك أنّ “إسرائيل” تُجبر على مواجهة سلاح رخيص بوسائل باهظة الكلفة. فاعتراض مُحلّقة صغيرة قد يحتاج إلى منظومات إنذار، ورادارات، وذخائر اعتراضية، وانتشار ميداني إضافي. أي أنّ حزب الله ينجح في فرض معادلة استنزاف ذكية: كلفة محدودة عليه، وكلفة مرتفعة على خصمه. إنها حرب اقتصادية بامتياز، يجرّ فيها حزب الله “إسرائيل” إلى مستنقع الاستنزاف المالي والعسكري.
أما حين تكون بعض هذه المُحلّقات محصّنة ضدّ التشويش الإلكتروني، أو تعمل بالألياف البصرية، فإنّ جزءاً من التفوّق التقني الإسرائيلي يصبح أقلّ فاعلية. وهنا تتكشّف حقيقة مهمة: التكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا سبقها الخصم في الابتكار الميداني. إنها ضربة قاصمة لمفهوم التفوّق التكنولوجي المطلق الذي طالما تغنّى به قادة “تل أبيب”.
المُحلّقة التي تضرب مرتين: في الميدان وفي الوعي الإسرائيلي
ميزة هذه المُحلّقات أنها لا تنتهي مهمتها عند الانفجار. فهي غالباً مزوّدة بكاميرا تنقل ما يجري على الأرض، أو توثّق اللحظة بدقة. وهذا يمنحها وظيفة مزدوجة: قتالية وإعلامية، أو بعبارة أدقّ: ضربة في الميدان وضربة في الوعي.
الضربة الأولى تقع في الميدان، حين تصيب هدفها. أما الضربة الثانية، فتقع بعد دقائق، عندما تتحوّل الصورة إلى مادة إعلامية ونفسية. هذه الصور، التي تُبثّ بذكاء، ليست مجرّد لقطات، بل هي رسائل مباشرة إلى الجندي الإسرائيلي والجمهور في الداخل.
بالنسبة لحزب الله، هذه المشاهد ترفع المعنويات داخل بيئته، وتُظهر قدرة مقاتليه على الرصد والوصول والإصابة. وهي بذلك تعزّز صورة الجاهزية والانضباط والفاعلية. إنها حرب نفسية تدار ببراعة، تهدف إلى ترسيخ صورة المقاومة القوية القادرة على التحدّي.
أما داخل “إسرائيل”، فإنّ بثّ مشاهد استهداف الجنود أو الآليات يترك أثراً مختلفاً تماماً: جندي يرى نفسه مكشوفاً من السماء، وجمهور يشاهد قواته تتعرّض للهجوم، فيما تبدو المؤسسة العسكرية عاجزة عن تقديم حماية كاملة أو حلّ سريع. بهذا المعنى، المُحلّقة لا تنفجر مرة واحدة… بل مرتين، وتترك ندوباً عميقة في الوعي الجمعي الإسرائيلي.
نفسياً: السماء لم تعد آمنة… والجنود في جحيم التوتر
الجندي الذي يواجه دبابة يعرف من أين يأتي الخطر. والجندي الذي يسمع قذيفة يعرف اتجاه النار. أما المُحلّقة الانتحارية، فهي تهديد غير مرئي، صامت أحياناً، وقد يأتي من أيّ زاوية وفي أيّ لحظة. هذا النوع من التهديد يخلق ضغطاً نفسياً عميقاً، ويحوّل سماء جنوب لبنان إلى سماء معادية باستمرار.
النتيجة؟ توتر دائم في المواقع الأمامية، تراجع الإحساس بالأمان حتى داخل التحصينات، إنهاك عصبي بسبب مراقبة السماء باستمرار، وتآكل الثقة حين تغيب الحلول الفعّالة. وفي الحروب، ليست كلّ الخسائر بشرية. أحياناً يكون استنزاف الأعصاب أخطر من استنزاف العتاد، وهذا ما يفعله حزب الله ببراعة.
أزمة ثقة: لماذا لم تستعدّ “إسرائيل” مبكراً؟ سؤال يطارد القيادة
الأخطر من المُحلّقات نفسها، هو ما تكشفه من خلل في الاستعداد الإسرائيلي. فالتقارير تشير إلى أنّ هذا التهديد كان معروفاً منذ الحرب الأوكرانية، وأنّ تحذيرات ودروساً وصلت مبكراً، لكنّ التعامل معها تأخّر. وهنا يظهر السؤال الصعب داخل “إسرائيل”، سؤال يطارد القيادة العسكرية والسياسية: إذا كان الخطر معروفاً، فلماذا لم يُعالج قبل أن يتحوّل إلى تهديد فعلي؟
هذا السؤال لا يمسّ فقط الأداء العسكري، بل يمسّ صورة “الجيش” باعتباره المؤسسة الأكثر كفاءة واستعداداً. وحين يشعر الجمهور أنّ تهديداً معروفاً تمّ تجاهله، تتراجع الثقة بالتقدير والجاهزية والقيادة. وهو سؤال يعيد إلى الواجهة حساسية إسرائيلية متراكمة منذ إخفاقات السابع من أكتوبر: هل المشكلة في نقص الوسائل، أم في طريقة التفكير؟ أم أنّ الاختراقات الأمنية وصلت إلى مستويات عليا؟
الجبهة الداخلية: حزب الله ما زال قادراً على المفاجأة… ورواية الحكومة تتهاوى
على مدى الأشهر التي تلت تفاهمات وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى ترسيخ قناعة لدى الجمهور بأنّ قدرات حزب الله تضرّرت، وأنّ التنظيم أصبح أكثر انكشافاً وأقلّ قدرة على المبادرة. لكنّ استمرار ظهور وسائل قتالية جديدة، ونجاح الحزب في فرض تهديدات متجدّدة، يضعف هذه الرواية، ويكشف زيف الادعاءات الرسمية.
فالرسالة التي تصل إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية اليوم هي أنّ حزب الله: ما زال يمتلك قدرة على التطوير والتكيّف الميداني، ما زال يحتفظ بعناصر مفاجئة عملياتية، فهو قادر على تحدّي التفوّق التكنولوجي الإسرائيلي، ولم يفقد قدرته على التأثير كما رُوّج سياسياً وإعلامياً. وهذا يخلق فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، وهي فجوة خطيرة لأنها تضرب ثقة الجمهور بتقديرات الحكومة و”الجيش”، وتزيد من حالة التصدّع الداخلي.
أخيراً: ما الذي تغيّر؟ نموذج حرب جديد يفرض نفسه
ما يجري يتجاوز مجرّد استخدام طائرات مسيّرة انتحارية. نحن أمام نموذج حرب جديد، يستطيع فيه فاعل غير دولتي استخدام أدوات بسيطة نسبياً لفرض قيود على “جيش” نظامي متفوّق.
وهذا يعني أنّ ميزان الردع لم يعد يُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بمرونة الابتكار، وسرعة التكيّف، والقدرة على استغلال ثغرات الخصم. إنها حرب العقول، وحرب الإرادات، وحرب الوعي، وحزب الله يثبت قدرته على خوضها بامتياز.
التفوّق الإسرائيلي في مهب الريح
المُحلّقات الانتحارية التي يستخدمها حزب الله ليست مجرّد سلاح تكتيكي، بل أداة تأثير مركّبة تمسّ “الجيش” الإسرائيلي في أربعة مستويات: القدرة العملياتية، والمعنويات القتالية، والحرب الإعلامية النفسية، والثقة الداخلية. وقد يكون أخطر ما في هذا السلاح ليس عدد الإصابات التي يسبّبها، بل الرسالة التي يحملها: أنّ التفوّق العسكري الإسرائيلي يمكن تحدّيه بوسائل أصغر وأذكى وأرخص، وأنّ حزب الله ما زال يحتفظ بقدرة على التعلّم والمفاجأة وفرض معادلات اشتباك جديدة في ساحة الصراع.
كاتب فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي
