الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي‏ FPV السلكية تقلب قواعد التكنولوجيا العسكرية ... محمد الأيوبي

‏ FPV السلكية تقلب قواعد التكنولوجيا العسكرية … محمد الأيوبي

سودان تمورو

لم تعد الطائرات المسيّرة في جنوب لبنان مجرّد وسيلة إسناد ناري أو عنصر مساعد في ساحة المعركة، بل تحوّلت إلى عامل مركزي يعيد تشكيل طبيعة المواجهة ويعيد تعريف قواعد الاشتباك.

وتمثّل مسيّرات الـFPV الموجّهة بالألياف الضوئية تحوّلاً بنيوياً في مفهوم الحرب غير المأهولة، إذ تقوم فكرتها على التخلي الكامل عن البثّ اللاسلكي لصالح اتصال فيزيائي مباشر عبر كابل بصري فائق الرقة. وهذا التحوّل التقني لا يضيف ميزة تكتيكية فحسب، بل يعيد صياغة قواعد الاشتباك ذاتها. فالمسيّرة، في هذا السياق، لا تُرى ولا تُسمع إلكترونياً، ما يمنحها حصانة شبه مطلقة أمام أنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية.

ما كشفته “القناة 15” في كيان الاحتلال عن إطلاق عشرات المسيّرات أسبوعياً ، يشير إلى تحوّل عميق في ميزان القوة، أربك “المؤسسة العسكرية الإسرائيلية” ودفعها إلى الاعتراف بأنها تأخرت في إدراك حجم هذا التهديد وطبيعته.

ويعزّز ذلك اعتمادها على بكرة ألياف ضوئية يتم فكّها تدريجياً أثناء الطيران، بتقنية “سحب الخيط” التي تمنع التشابك وتسمح بالحفاظ على سرعات عالية دون التأثير على الأداء. وبفعل انتقال البيانات على شكل نبضات ضوئية، تحصل هذه المسيّرات على بث فيديو عالي الدقة بزمن استجابة شبه فوري، ما يمنح المشغّل قدرة تحكم لحظية ودقة استهداف استثنائية، حتى في البيئات المعقدة أو المغلقة.

ثلاثية الشبحية: تفكيك أنظمة الكشف التقليدية
تكمن أهمية هذا النمط من المسيّرات في اجتماع 3 طبقات من “الشبحية” ضمن منصة واحدة:

-أولاً: الشبحية الرادارية الناتجة عن استخدام مواد غير معدنية مثل الألياف الزجاجية والكاربون “فايبر”، ما يقلل البصمة الرادارية إلى حد يجعلها تُصنّف كضجيج خلفي أو كائن طبيعي.

-ثانياً:الشبحية الحرارية، حيث تعتمد هذه المسيّرات على محركات كهربائية صغيرة لا تولّد حرارة احتراق، فيما تعمل المواد المصنّعة منها كعازل يحدّ من تسرب الحرارة إلى السطح الخارجي.

– ثالثاً: وهي الأهم، فهي الشبحية الإلكترونية الناتجة عن غياب أي انبعاث لاسلكي، ما يجعلها غير قابلة للرصد عبر أنظمة كشف الترددات.

وهذا التكامل بين الشبحيات الـ 3 يضع أنظمة الدفاع الجوي في مواجهة هدف لا يمكن اكتشافه مسبقاً، ولا تعقّبه، ولا حتى التشويش عليه.

وإلى جانب ذلك، يضيف الحجم الصغير والسرعة العالية والقدرة على الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً بُعداً بصرياً معقداً، يجعل اكتشافها بالعين أو الكاميرات أمراً بالغ الصعوبة.

من التطوير إلى التوظيف: مسار تقني عابر للجبهات
من الناحية التقنية، تعود جذور هذه المنظومة إلى تطويرات صينية، قبل أن يتم توسيع استخدامها وتحسينها في ساحات القتال الروسية والأوكرانية، لتنتقل لاحقاً إلى جنوب لبنان بصيغة أكثر نضجاً. وقد مكّنت هذه التراكمات التقنية من رفع القدرة التدميرية للمسيّرات، حيث تحمل بعض النسخ رؤوساً متفجرة تتراوح بين 10 و20 كيلوغراماً، ما يجعلها قادرة على إلحاق أضرار مباشرة بالآليات المصفحة.

أما التحول الأهم، فيكمن في كسر قيد المسافة. فبعد أن كانت هذه المسيّرات محدودة بمدى قصير لا يتجاوز مئات الأمتار، أدت التطويرات الحديثة إلى رفع المدى ليصل إلى عشرات الكيلومترات، وهو ما منحها بُعداً عملياتياً جديداً، يسمح بتنفيذ ضربات دقيقة من عمق آمن، مع بقاء المشغّل خارج نطاق الاستهداف.

تكتيك مضاد وإعادة إحياء “حرب العصابات”
لا يأتي هذا التحول بمعزل عن سياق المواجهة مع منظومات الحرب الإلكترونية “الإسرائيلية”، بل يمكن قراءته كاستجابة مباشرة لنجاح هذه المنظومات في تحييد نسبة كبيرة من المسيّرات اللاسلكية التقليدية. في هذا الإطار، تبدو المسيّرات السلكية كحلٍّ تكتيكي مضاد، أعاد التوازن إلى ساحة الاشتباك عبر تجاوز نقطة التفوق الأساسية لدى الخصم.

ويعكس هذا التطور أيضاً نمطاً أوسع في التفكير العملياتي، حيث يجري دمج تقنيات متقدمة ضمن تكتيكات أقرب إلى حرب العصابات. فإلى جانب الكمائن والعبوات، تُستخدم هذه المسيّرات كأداة دقيقة لاستهداف نقاط حساسة، بما في ذلك مواقع استخبارية ومنظومات إنذار مبكر، في محاولة لإضعاف القدرة على “الرؤية” لدى الطرف المقابل.

وفي هذا المعنى، لا تُستخدم التكنولوجيا هنا كبديل عن الأساليب التقليدية، بل كرافعة تعزز فعاليتها وتعيد توظيفها

ضمن بيئة قتال أكثر تعقيداً

لم يكن انتقال حزب الله إلى استخدام المسيّرات الموجّهة بالألياف الضوئية خياراً تقنياً ترفيهياً، بل جاء في سياق استجابة تكتيكية مباشرة لنجاح منظومات الحرب الإلكترونية “الإسرائيلية” في تحييد الجزء الأكبر من المسيّرات اللاسلكية التقليدية. هذا التحوّل يعكس إدراكاً عملياً لنقطة الضعف الأساسية في تلك المنظومات، والمتمثلة في اعتمادها الكامل على الإشارة الراديوية، بما يجعلها عرضة للتشويش أو الاختراق.

وتبرز فعالية هذا الخيار من خلال حوادث نوعية، من بينها استهداف محيط مروحية إخلاء طبي بدقة عالية، في دلالة على أن هذا السلاح لا يقتصر على تجاوز التشويش، بل يمنح أيضاً قدرة تصويب دقيقة في بيئات عملياتية معقدة. هذا المستوى من الدقة يشير إلى انتقال في طبيعة الاستخدام، من مجرد أداة إسناد إلى وسيلة هجومية عالية الكفاءة.

في هذا الإطار، لا يبدو أن هذه العمليات تُدار بشكل عشوائي، بل تأتي ضمن نمط تكتيكي منظم يسعى إلى تحقيق هدف محدد، يتمثل في “إعماء” سلاح الجو “الإسرائيلي” عبر ضرب أدواته الحيوية أو تقويض قدرته على العمل ضمن بيئة معلوماتية مستقرة. وهو ما يعكس تحوّلاً في منطق الاشتباك، حيث يصبح تعطيل الإدراك والقدرة على الرصد جزءاً مركزياً من المعركة، لا مجرد نتيجة جانبية لها.

دقة تدميرية عالية: المسيّرات السلكية وإرباك المنظومة “الإسرائيلية”
خلال العدوان العسكري على جنوب لبنان، برزت المسيّرات “الانقضاضية” الموجّهة بالألياف الضوئية كعامل ميداني ضاغط أعاد خلط حسابات الاشتباك، ليس فقط من حيث القدرة التدميرية، بل من زاوية تأثيرها المباشر على منظومات الرصد والتشويش لدى “الجيش الإسرائيلي”.

هذه المسيّرات، التي تعمل عبر اتصال فيزيائي مغلق بدل البث اللاسلكي، نجحت في تجاوز بيئة التشويش الكثيف، ما حوّلها إلى مصدر قلق حقيقي داخل المؤسسة العسكرية، وأعاد فتح النقاش حول فعالية أدوات الدفاع التقليدية أمام هذا النمط من التهديدات.

وتشير المعطيات المتداولة في الإعلام “الإسرائيلي” وتحليلات الخبراء إلى أن هذا السلاح بات يشكّل أحد أبرز التحديات العملياتية، خصوصاً مع قدرته على استهداف الجنود والآليات المصفحة بدقة مباشرة. ورغم أن هذه المسيّرات تمثّل امتداداً لتجارب سابقة في ساحات مثل أوكرانيا، إلا أن إدخال الألياف الضوئية كوسيط تحكّم نقلها إلى مستوى مختلف، حيث أصبح الاتصال ثابتاً ومحميّاً بالكامل من التشويش، ما أتاح دقة تصويب عالية وصلت إلى حد استهداف أنظمة المواجهة نفسها.

استهداف منظومات القيادة: من التعطيل إلى ضرب البنية العصبية
في هذا السياق، لا يقتصر استخدام المسيّرات الانقضاضية على إصابة الأهداف التقليدية، بل يتجه نحو استهداف البنية الأكثر حساسية في المنظومة “العسكرية الإسرائيلية”، أي شبكات القيادة والسيطرة. ويتجلى ذلك بوضوح في عملية 12 نيسان/أبريل 2026، حيث استهدفت المقاومة آلية اتصالات متقدمة من طراز (THMS) في بلدة الطيبة، وهي منصة تكتيكية تشكّل عقدة مركزية ضمن منظومة (C4I) المسؤولة عن إدارة العمليات الميدانية وربط الوحدات القتالية.

هذه الآلية، التي طُوّرت بالتعاون بين “وزارة الحرب الإسرائيلية” وشركة Elbit Systems، تُعد جزءاً من التحوّل الرقمي للجيش، إذ تؤمّن اتصالاً عالي السعة عبر أنظمة راديو متقدمة مثل (GRX-8000) القادر على العمل بتقنيات القفز الترددي والتشفير المعقد ومقاومة التشويش (ECCM).

غير أن استهدافها بمسيّرة منخفضة الكلفة نسبياً يكشف تحوّلاً عميقاً في طبيعة الاشتباك، حيث تصبح المنظومات الأكثر تطوراً عرضة للاختراق عبر أدوات بسيطة لكنها دقيقة، ما يعني عملياً نقل المعركة من تعطيل الوسائط إلى ضرب “العصب التشغيلي” الذي تقوم عليه فعالية الجيش في الميدان.

انعكاسات استراتيجية: شلل الدفاعات وتحوّل ميزان الردع
أدّت هذه الخصائص إلى إرباك عميق في بنية الدفاعات التقليدية، خصوصاً تلك المعتمدة على الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية. فأنظمة التشويش، مهما بلغت كفاءتها، تصبح بلا جدوى أمام منصة لا تستخدم الترددات أصلاً، فيما تفشل منظومات الكشف في رصد هدف بلا بصمة.

هذا الواقع ينعكس مباشرة على فعالية أنظمة مثل القبة الحديدية أو أنظمة الحماية النشطة للدبابات، التي صُمّمت للتعامل مع تهديدات سريعة وواضحة، لا مع أهداف صغيرة، بطيئة نسبياً، وقادرة على المناورة الدقيقة واستهداف نقاط الضعف.

في المقابل، تكشف هذه المسيّرات هشاشة مفهوم “العمق الآمن”، إذ يمكن إطلاقها من مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات، مع بقاء المشغّل في موقع محمي بالكامل. كما أن استخدامها في تسجيل لحظات الإصابة بدقة عالية يضيف بعداً نفسياً مضاعفاً، حيث يتحول السلاح إلى أداة ردع إعلامي إلى جانب وظيفته القتالية.

في المحصلة، نحن أمام سلاح لا يكتفي بتجاوز الدفاعات، بل يعيد تعريفها، ويفرض انتقال الصراع من مواجهة الوسائل إلى مواجهة المفاهيم التي قامت عليها تلك الوسائل. فما يجري جنوباً تحوّل في طبيعة الحرب نفسها. فالمسيّرات، خصوصًا الـFPV، باتت أحد الأعمدة الأساسية للمعادلة الجديدة التي تمنع تثبيت الاحتلال، وتدفع نحو نمط قتال مرن، منخفض الكلفة، وعالي الاستنزاف، حيث تتحول الكلفة اليومية للبقاء إلى عامل حاسم في تقرير مسار المواجهة.

 

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات