سودان تمورو
كشف العلماء عن خريطة شاملة لمستقبلات الشم في أنف الفأر في إنجاز جديد قد يغيّر فهمنا لكيفية عمل حاسة الشم لدى الثدييات، ويفتح الباب أمام تطوير علاج فقدان الشم.
وأظهرت الدراسة، التي نشرت في مجلة Cell، أن مستقبلات الشم ليست موزعة عشوائيا داخل بطانة الأنف كما كان يُعتقد سابقا، بل تنتظم بدقة شديدة ضمن نطاقات ضيقة ومحددة، بما يشبه “خريطة حسية” تساعد الدماغ على تفسير الروائح.
وتُكتشف الروائح من خلال الخلايا العصبية الحسية الشمية الموجودة في تجويف الأنف، حيث يعبّر كل عصبون عن واحد فقط من بين 1172 مستقبلا مختلفا مشفّرا في الحمض النووي للفأر، ويختص كل مستقبل بالتعرف على نوع معين من الروائح.
وعلى عكس حواس مثل السمع والبصر واللمس، التي تعتمد منذ زمن على خرائط حسية واضحة، لم يكن العلماء يعتقدون أن حاسة الشم تعمل بالطريقة نفسها. لكن خلال السنوات الأخيرة، سمحت تقنيات حديثة للعلماء بفحص نحو 5.5 مليون عصبون في أكثر من 300 فأر، ما أتاح فهما أعمق للجينات النشطة داخل خلايا الأنف.
وأوضح الدكتور سانديب داتا، عالم الأحياء العصبية في كلية الطب بجامعة هارفارد والمعد الرئيسي للدراسة، أن تقنية “تسلسل الخلية المفردة” مكّنت فريقه من فحص كل عصبون شمي ناضج على حدة، وتحديد المستقبل الذي يعبّر عنه، فيما ساعدت تقنية “علم النسخ المكاني” في تحديد الموقع الدقيق لكل مستقبل داخل الأنف.
وباستخدام هذه البيانات، رسم العلماء خريطة لأكثر من 1100 مستقبل شمي، كشفت عن وجود “ألف شريط منفصل” من مستقبلات الروائح، تتداخل فيما بينها لكنها شديدة التنظيم، بحسب داتا.
كما وجد الفريق أن الخلايا العصبية التي تحمل المستقبل نفسه داخل الأنف ترسل إشاراتها إلى النقطة ذاتها داخل البصلة الشمية، وهي مركز معالجة الروائح في الدماغ، ما يعني أن خريطة الأنف تتطابق بشكل مباشر مع خريطة الدماغ.
وقال داتا إن هذا الاكتشاف يكشف مستوى مذهلا من التعقيد داخل بطانة الأنف، مشيرا إلى أن الفئران تمتلك نحو 20 مليون خلية عصبية شمية تعبّر عن أكثر من ألف نوع من مستقبلات الشم، مقارنة بثلاثة أنواع رئيسية فقط من مستقبلات الرؤية اللونية.
ومن النتائج اللافتة أيضا أن مواقع هذه المستقبلات كانت متطابقة تقريبا لدى جميع فئران المختبر التي شملتها الدراسة، ما يشير إلى وجود نظام دقيق وثابت في تنظيمها.
كما حدد العلماء جزيئا يعرف باسم حمض الريتينويك (RA)، يُرجّح أنه يلعب دورا رئيسيا في توجيه كل خلية عصبية للتعبير عن المستقبل المناسب بحسب موقعها داخل الأنف. وقد أدى تغيير مستويات هذا الجزيء إلى تحوّل مواقع المستقبلات، ما يعزز فرضية دوره التنظيمي.
ويعمل العلماء الآن على فهم سبب ترتيب هذه المستقبلات بهذا الشكل المحدد، إضافة إلى معرفة ما إذا كانت المبادئ نفسها تنطبق على البشر.
وأشار داتا إلى أن جهاز الشم لدى الإنسان يشبه إلى حد كبير نظيره لدى الفئران، رغم امتلاك البشر عددا أقل من مستقبلات الروائح، موضحا أن فهم هذه الآلية قد يساعد مستقبلا في تطوير علاجات لفقدان حاسة الشم وما يرتبط به من آثار صحية ونفسية، مثل زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب.
