سودان تمورو
“اليوغا” هي مصطلح “سنسكريتي” (لغة هندية-آرية قديمة وكلاسيكية) يعني “الاتحاد”. أيّ أنه يعني مجموعة من الممارسات العقلية والجسدية والروحية التي تعمل على التحكّم في العقل وتهدئته من خلال توحيد الجسد والعقل والروح.. وتعزّز ممارسته الجانب الجسدي والعقلي والروحي للإنسان.
هي ليست مجرّد رياضة جسدية، بل ممارسة تُهذّب البدن، وتسكِّن الفكر، وتوقظ في المرء حسّاً داخلياً رفيعاً بالمسؤولية والاتزان. هذا الوعي المتنامي يدفع الإنسان إلى خيارات أكثر صحّة واستدامة، ويجعله يعيش على نحو يراعي ذاته كما يراعي الأرض التي تحتضنه.
وفي هذا التلاقي بين العناية بالنفس والحرص على البيئة، يتجلّى جوهر الفلسفة الهندية القديمة، التي تنظر إلى العالم بوصفه أسرةً واحدة، كما يقول الموروث العريق: العالم أسرة واحدة،كما تقول منشورات الأمم المتحدة، خاصة في اليوم العالمي لـ “اليوغا” في 21 حزيران/يونيو.
وفي الظروف الصعبة كيف تفسّر العلاقة بين الجسد والصدمة، خصوصاً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة لدى الناجين من الحروب؟ وهل يمكن القول إنّ “اليوغا” تعيد “إعادة برمجة” استجابة الجسد للخطر؟
أبو فخر للميادين نت: اليوغا تعيد برمجة الفكر مع الجسد
تقول إيلدا أبو فخر وهي “منسّقة ورش عمل “يوغا” ونفَس وتأمّل ومشي تأمّلي” للميادين نت إنّ “الجسد يحفظ الصدمة من خلال الأعصاب وهي يمكن أن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة – موجودة باللاوعي وحينها يفرز الجسم هرمونات التوتر ما يبقي الإنسان على توتر دائم، ولا يعالجها في بعض الحالات إلا التفريغ.
والحقيقة أنّ “اليوغا” تعيد برمجة الفكر مع الجسد بحركات تتطلّب وعياً على نقطة الحاضر فتخفّف الوجع .كما تقوم بإبراز نقطة ضعف الجسد إذ تبرز أوجاعاً لم تكن موجودة سابقاً ما يساعد في حلّ الاضطرابات القديمة والتركيز على الواقع أكثر”.
“الهاتا يوغا” تعيد توازننا النفسي في الظروف الصعبة
وتضيف في ردٍّ على سؤالنا “هناك أنواع من “اليوغا” لكن نحن نقوم بتمارين “الهاتا يوغا” في الشويفات (جبل لبنان) لأنها الأساس ومناسِبة للمبتدئين والمتمرّسِين”.
وكما تقول مدرّبة اليوغا ماجدة عربيد “فإنّ “الهاتا يوغا” هي تمارين جسدية هادئة مع تنفّس وتركيز تساعدنا في التحكّم بجسمنا وهي تهدّىء الأفكار ، أمّا جسدياً، فهي تقوّي العضلات وتزيد المرونة وتشدّ الجسم، وعلى الصعيد النفسي تخفّف التوتر والقلق، وتعطي ثقة بالنفس، وتساعدنا على الهدوء الداخلي وتعيد توازننا النفسي خصوصاً في الظروف الصعبة خلال الحرب والأزمات الاقتصادية وأيضاً عند الخسائر الضخمة مثل الموت والنزوح “.
وكما ذكرنا سابقاً،”اليوغا” تربط العقل بالجسم وتعالج الصدمات المخزّنة لكنّها تتطلّب حذراً ونهجاً خاصاً ليتمكّن النازح من الاستفادة منها. وهكذا تكون “اليوغا” آمنة وفعّالة ليتمكّن النازحون من التواصل الآمن مع أجسادهم ومشاعرهم وإعطاء القدرة على اختيار الوضعية التي تريحهم والتوقّف في أيّ وقت مع استمرارية التنفّس والتركيز على الهدوء الذي يساعد في تهدئة الأعصاب” .
وتسرد أبو فخر أمثلة عملية على تحسّن النوم أو انخفاض القلق والتوتر بعد ممارسة اليوغا ومنها:
-تمارين التنفّس كأهمّ نشاط لتهدئة الجهاز العصبي مثلاً :
1-تنفّس 3 أنفاس: استنشق الهواء لمدة 5 ثوان: احبسه 5 ثوان :ثم أزفره في 5 ثوان وانتظر 5 ثوان بين كلّ نفس.
2-التنفّس البطني: ضع يدك على البطن وركّز على حركته: نفخ البطن عند الشهيق :حبس النفس قليلاً ثم بلع البطن في الزفير .
إطفاء الشمعة
1-استنشق الهواء لمدة 5-7 ثوانٍ: أحبس النفس: ثم انفخ من الفم بالقوة لمدة 5-7 ثوان.
2-بعد تمارين التنفّس يمكن ممارسة التأمّل: التركيز على النفس الطبيعي لمدة 5 دقائق .
3-يمكن أن تستنشق رائحة ناعمة مثل اللافندر وغيرها..
4-يمكن قبل النوم أن تقوم بوضعية الطفل بالركع وخفض الصدر نحو الأرض مع مدّ الذراعين إلى الأمام أو وضعهما إلى جنب أو التربّع وتحريك أعلى الجسد مع الرأس من اليمين إلى اليسار وبالعكس.
على الإنسان أن يركّز على وجوده بالتركيز على نفسه
ولكن إلى أيّ مدى يمكن لهذه التقنيات أن تصمد في بيئة غير آمنة أصلاً؟ بمعنى آخر: هل تهدئة الفرد ممكنة في ظل غياب الأمان الخارجي؟
“اليوغا” تساعد كثيراً إذ إنّ عامل التنفّس هو الفعّال في هذه الأوقات، فمثلاً على الإنسان أن يركّز على وجوده بالتركيز على نفسه ليستطيع ربطه بالفكر والإحساس بالجسد وحركته ومشاعره لتخفيف التوتر .
وبالنسبة للأطفال الذين يعانون من التوتر تقول أبو فخر، وهي أيضاً فنانة تشكيلية ، معالجة بالفن والطاقة، إنّ “لدى الأطفال القدرة على الاستجابة لليوغا أكثر من الكبار لأنّ الطفل لديه القدرة على نسيان الماضي والتفكير بالحاضر فأنسجته ما زالت طرية والصدمات هشّة، وهذه الممارسة تجعله يركّز على جسده وفكره معاً، ما يجعل لديه ثقة أكبر بنفسه فينعكس على تحسّن حالة الطفل من خلال لعبه الهادئ أو مساعدة الآخرين بعدم القلق.
تمارين خاصة أكثر ملائمة للأطفال
كذلك كيف يمكن دمج اللعب والحركة ضمن جلسات “اليوغا” لجعلها أكثر ملاءمة للأطفال، فهناك يوغا خاصة بهم وهي قد تخلق تحدّياً لهم مثلاً:
-وضعية الشجرة :يقف الطفل على قدم واحدة مع رفع اليدين للأعلى وهي للتوازن .
-وضعية الكوبرا :يستلقي الطفل على بطنه ويرفع صدره للأعلى مقلّداً حركة الأفعى ما يقوّي الظهر والذراعين ..
وهنا من الأفضل وجود نشاط كرواية قصة أو موسيقى أو رسم فني لزيادة عامل التشويق للأطفال .
أهمية اليوغا بعد الحرب
ولليوغا دورٌ في الانتقال من مرحلة “البقاء” إلى “إعادة بناء الذات” تقول أبو فخر “من ناحية تبدّل التفاعل على مستويين: الجهاز العصبي والوعي العاطفي إذ إنّ استنفار الجهاز العصبي يخفّ مع ممارسة “اليوغا” بتخفيف التوتر.. واستعادة الإحساس بمشاعر الجسد والحركات الواعية تجبرنا على العودة للسكن في أجسادنا وفهم رسائلها لإعادة البناء وتفريغ المخزون العاطفي بـ “اليوغا” وليس لغوياً (المشاعر المكبوتة تكون مخزنة بالوركين والكتفين) كما أنّ التفاعل التلقاىي يتكوّن بالفصل بين “أنا” وبين “أفكاري -مشاعري “وهذا يمنح القوة لاختيار ردود فعل جديدة وبناء هوية لا ترتبط بالمعاناة السابقة وهكذا يكون لليوغا مفعولها على المدى الطويل”.
اليوغا وبرامج إعادة التأهيل المجتمعي والمهني
كذلك “يمكن دمج اليوغا في برامج إعادة التأهيل المجتمعي وهي وسيلة فعّالة لتحسين الصحة الجسدية والنفسية للهيئات المشاركة مثلاً : الجلسات الجماعية تحفّز الاتصال الجماعي والفردية بحسب الاحتياجات الخاصة للفرد”.
ومن هنا يأتي سعيّ الجمعيات بالتعاون مع مراكز “اليوغا” لإنشاء برامج تساعد النازحين للشفاء من الصدمات.
وهناك “التأهيل المهني إذ إنّ علماء النفس والمختصين يمكنهم أن يصبحوا متدرّبين معتمَدين ما يسهّل دمج التمارين الحركية مع تقنيات الاسترخاء في خطة علاجية واحدة . ويمكن أن يدخل بالعلاجات التخصصية من التأهيل الجسدي إلى الأمراض المزمنة”.
العلاج بالفن والطاقة والضحك
وتردف بقولها “إنّ إدخال “اليوغا” وخاصة العلاجية في البرامج تسهم في تعافي المجتمع على أن تقوم على فترات طويلة للاسترخاء . فعلينا أن نقوم بخطة عمل تبعاً للفئات العمرية أو للجمعيات أو للمؤسسات.
وإذ ترى السيدة أبو فخر وهي التي حوّلت أيضاً مشروعها الجميل “ليليز لاند” وسط الطبيعة في بلدة “بمريم” حمانا – جبل لبنان إلى مكانٍ للهدوء والدّعة والتأمّل و”اليوغا”، أنّ “هناك علاجات أخرى يمكن إدخالها مع برامج اليوغا مثل العلاج بالفن والطاقة والضحك التي تساعد على إزالة الألم وتخطّي الأزمات لإمكانية الاستمرار بالحياة بفكرٍ إيجابي”، متمنيةً أن “تخف وطأة الأزمات عن بلادنا لإمكانية الاستفادة من “اليوغا” بطريقة الإبداع والفكر الصافي والجسد السليم والنفس المتناغمة”.
