الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةUncategorizedصدقت يا ترامب.. أنتم قراصنة في البر قبل البحر!.. بقلم ياسر مختار

صدقت يا ترامب.. أنتم قراصنة في البر قبل البحر!.. بقلم ياسر مختار

سودان تمورو

لقد صدقت القول يا سيد ترامب؛ أنتم بالفعل قراصنة، لكن قرصنتكم لم تبدأ من أمواج البحار، بل انطلقت من اليابسة. بدأت من تلك الأراضي التي سلبتموها من سكان أمريكا الأصليين، ومن المنازل التي أحلتموها ركاماً، ومن الشعوب التي اقتلعتموها من جذورها وطردتموها من أراضيها. لم تقتصر سرقاتكم على النفط أو السفن فحسب، بل امتدت لتسلب الإنسان حقه في الحياة. لقد اختطفتم رجال ونساء إفريقيا من قارتهم، وكبلتموهم بالسلاسل، وسقتموهم نحو جحيم العبودية. وفي القرن التالي، يمَّمتم شطر العالم الثالث، لتنهبوا النفط، والموارد، والدول، والموانئ، والأسواق، بل ومستقبل شعوب بأكملها.

قد يتساءل البعض باستنكار: كيف يمكن توجيه هذا الخطاب لبلد تُشير وثيقة استقلاله صراحة إلى الحقوق الطبيعية للإنسان؟ والإجابة تكمن في قراءة التاريخ الأمريكي بعين مجردة من الانحياز المسبق؛ فحينها ستتجلى وثيقة الاستقلال الأمريكية، ليس بوصفها إعلاناً عالمياً لحرية البشر، بل كوثيقة تجسد واحدة من كبريات التناقضات في التاريخ البشري. ففي عام 1776، عندما كانت تُتلى الشعارات الرنانة حول الحق في الحياة والحرية والسعي نحو السعادة، كان ظاهر النص عالمياً وشاملاً، لكن معناه العملي والواقعي كان شديد الضيق ومحدوداً للغاية. فالإنسان في ذلك القاموس السياسي كان يعني، قبل كل شيء، “الرجل الأبيض المالك”. أما النساء، والعبيد، والسكان الأصليون، والملونون، بل وحتى الرجال الفقراء المعدمون، فقد كانوا جميعاً خارج قوسين أو أدنى من هذه الدائرة الإنسانية المزعومة. ولذلك، عندما يُحتفى بوثيقة الاستقلال الأمريكية كواحدة من أولى وثائق حقوق الإنسان، ينبغي توخي الحذر؛ فالنص بلا شك جميل وساحر، لكن تاريخ تطبيقه كان قبيحاً ومظلماً.

هذا التناقض الفج لم يتوقف عند وثيقة الاستقلال، بل تسلل ليتجذر في صلب الدستور الأمريكي. فعندما حان وقت تحديد عدد المقاعد المخصصة لكل ولاية في مجلس النواب بناءً على التعداد السكاني، برز السؤال المعضلة: كيف يُحسب العبيد؟ هل هم بشر أم لا؟ وجاءت الإجابة عبر ما عُرف تاريخياً بـ “تسوية الثلاثة أخماس” (أي 3/5). فقد تقرر أن يُحسب كل عبد بثلاثة أخماس الإنسان الحر لغايات الإحصاء السكاني. بعبارة أخرى، لم يكن العبد مواطناً، ولا صاحب حق، ولا إنساناً حراً؛ ولكنه كان يُعد جزءاً من السكان فقط عندما يتعلق الأمر بزيادة الثقل السياسي لولايات النخاسة والاستعباد. ويُعد هذا من أسطع الأدلة على كيف يمكن لنظام سياسي أن يتغنى بالحرية في خطاباته، بينما يحيل البشر في حساباته السياسية إلى مجرد كسور وأرقام ناقصة.

حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية وإلغاء العبودية، لم تُطوَ صفحة المعاناة. فرغم أن التعديلات الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر للدستور أقرت إلغاء الرق ووعدت بالمساواة وحق التصويت، إلا أن النظام القانوني ذاته سرعان ما ابتكر آليات جديدة لمأسسة التمييز. ففي عام 1896، أقرت المحكمة العليا الأمريكية في قضية “بليسي ضد فيرغسون” مبدأ “منفصلون ولكن متساوون”. وكان المعنى البسيط والمقنع ظاهرياً لهذا المبدأ هو أن السود والبيض يمكن أن يتمتعوا بالمساواة، شريطة أن يبقوا منفصلين. لكن في الواقع الملموس، لم يكن الانفصال يوماً مرادفاً للمساواة؛ فمدارس منفصلة، ومستشفيات منفصلة، وعربات قطار منفصلة، وأحياء سكنية منفصلة، لم تكن سوى تكريس وتشريع للتفاوت الطبقي والعرقي بلغة القانون الجاف.

وحتى حق الاقتراع الذي مُنح للأمريكيين السود على الورق، اصطدم في الواقع العملي بجدار سميك من العراقيل. فقد استُخدمت ضرائب الاقتراع، واختبارات معرفة القراءة والكتابة، والتعقيدات البيروقراطية، ناهيك عن التهديد والعنف المباشر، ولاحقاً استغلال السجلات الجنائية، كأدوات منهجية لإبعاد السود عن صناديق الاقتراع. لم تكن هناك حاجة لسحب الحقوق رسمياً؛ بل كان يكفي جعل ممارسة هذه الحقوق أمراً شاقاً، أو باهظ التكلفة، أو محفوفاً بخطر الموت.

ولم تبدأ أجزاء من هذا الهيكل العنصري في التهاوي إلا بفضل حركة الحقوق المدنية في عقدي 1950 و 1960. كانت خطوات مثل إلغاء الفصل العنصري في المدارس، وإقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حق التصويت لعام 1965، بمثابة قفزات تاريخية كبرى. لكنها، وياللمفارقة، لم تكتب النهاية الحتمية للتمييز، بل أجبرته على تغيير جلده؛ فتحول من العبودية الفجة إلى الفصل العنصري، ومن الفصل إلى الإقصاء الإداري، وصولاً إلى أشكال التفاوت الأكثر خفاءً وتجذراً في قطاعات التعليم، والإسكان، والتعامل الشرطي، ونظام السجون، وحقوق الاقتراع حتى يومنا هذا.

لأجل ذلك كله، عندما تُقارن المواثيق القانونية الغربية، وفي طليعتها وثيقة الاستقلال الأمريكية، بالتقاليد التشريعية والحقوقية للحضارات والديانات الأخرى، يجب أن نطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق وفارق: عندما تتحدث هذه النصوص عن “الإنسان”، مَن الذي تعتبره حقاً إنساناً؟ إن بلاغة النص وجمال صياغته لا يكفيان؛ بل يجب التدقيق فيمن يُسمح له بدخول دائرة الحقوق، ومَن يُلقى به خارجها. إن وثيقة الاستقلال الأمريكية هي بلا شك نص تاريخي مهم، لكنها قطعاً ليست الوثيقة الطاهرة الخالية من الشوائب التي ضمنت حرية البشر أجمعين. إنها، في جوهرها، مجرد وثيقة أطلقت وعداً عظيماً، لكن أمريكا استغرقت أكثر من قرنين من الزمان لتبدأ بالكاد في أخذ جزء يسير من هذا الوعد على محمل الجد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات