الأربعاء, أبريل 29, 2026
الرئيسيةUncategorizedدبلوماسية الأوهام على منصة "تروث سوشيال"!.. عبد الحليم ابراهيم

دبلوماسية الأوهام على منصة “تروث سوشيال”!.. عبد الحليم ابراهيم

سودان تمورو

في ملهاة سياسية لا تليق إلا بمسرح العبث، تحول المكتب البيضاوي إلى مجرد استوديو لإنتاج التغريدات، وتراجعت الدبلوماسية الأمريكية لتصبح رهينة لشاشة هاتف ذكي في يد رجل لا يرى العالم إلا من خلال عدسة الإثارة الجماهيرية. المشهد الذي يرتسم أمامنا ليس مجرد خيال درامي، بل هو تشريح دقيق لعقلية الإدارة الأمريكية في تعاطيها مع أعقد أزمات الشرق الأوسط؛ حيث تقف حقيقة الأحداث في وادٍ، وما يُكتب على منصة “تروث سوشيال” في وادٍ آخر تماماً. وحين يتلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة إيرانية مبطنة بالدهاء الفارسي عبر وسيط باكستاني، لا يرى فيها خطوة تكتيكية أو مناورة بحرية، بل يرى فيها “مانشيت” جاهزاً يغذي نرجسيته السياسية، متجاهلاً كل تعقيدات الجغرافيا السياسية وقوانين الملاحة الدولية.

القصة تبدأ باتصال من قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، حاملاً رسالة عاجلة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچی. طهران، في خطوة براغماتية بحتة، تعرض فتح مسار آمن للملاحة المدنية قرب جزيرة لارك، مسار يخضع لسيطرتها وتنسيقها الكامل. هي لا تتنازل، بل تعيد تموضعها التكتيكي، وتلعب بذكاء على وتر المصطلحات؛ فهي تلغي “رسوم العبور” لتتجنب الاستفزاز، لكنها تفرض “تكاليف الخدمات الأمنية والتأمين والإرشاد البحري”. إنها لعبة شطرنج معقدة تديرها طهران بحنكة، لكن كيف يستقبلها الجالس في الغرفة البيضاء؟ بالنسبة لترامب، الذي يحيط به مساعدون مثل ماركو روبيو وجي دي فانس يحاولون يائسين إعادته إلى أرض الواقع، فإن هذه التفاصيل الدقيقة ليست سوى “هراء” لا يهم الناخب الأمريكي.

بعقلية التاجر الذي يبحث عن اللقطة الاستعراضية، يرفض ترامب مصطلح “الفتح المحدود” أو “المسار الخاضع للرقابة”. في قاموسه، الجماهير لا تهتم بالتفاصيل الفنية، الجماهير متعطشة لكلمة واحدة: “الانهيار”. هكذا، وبجرة قلم -أو بالأحرى بضغطة إبهام على شاشة الهاتف- يحول ترامب رسالة إيرانية تتحدث عن فرض رسوم خدمات أمنية إلى إعلان استسلام إيراني كامل. يكتب بثقة مفرطة أن الإيرانيين أبلغوه للتو أنهم في “حالة انهيار”، وأنهم “يتوسلون” لواشنطن لفتح مضيق هرمز. لا يهم أن طهران لم تطلب ذلك، ولا يهم أن المسار الجديد تديره إيران نفسها وتجني منه الأموال تحت مسمى آخر؛ المهم هو كيف تُباع القصة للجمهور الأمريكي. وعندما يختلط عليه الأمر بين المرشد الإيراني ورئيس البرلمان فيسأل عما إذا كان زعيمهم هو “آية الله قاليباف”، ندرك حجم المأساة في مطبخ القرار الأمريكي.

إن هذا المشهد، وإن صيغ بقالب مسرحي ساخر، يضع أيدينا على الجرح الغائر في السياسة الدولية المعاصرة. نحن أمام إمبراطورية تُدار انفعالاتها وتوجهاتها الاستراتيجية بمنطق “التريند” وحصد الإعجابات. حينما يتوسل الجنرال الباكستاني الدقة الدبلوماسية، وحينما يحاول روبيو تذكير رئيسه بأن التغريدة لا تمت للواقع بصلة، يأتي الرد الترامبي القاطع: “هذه منصتي تروث سوشيال، وليست فصل دراسي لحقوق البحار في جامعة ييل”. وفي النهاية، حين يضغط الرئيس زر الإرسال وتتوالى إشعارات التفاعل، ندرك تماماً أن الانهيار الحقيقي ليس في طهران، بل في مفهوم الحقيقة ذاته داخل أروقة البيت الأبيض.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات