سودان تمورو
في عالم السياسة المعقد، لا تكشف المفاوضات أبداً عن وجهها الحقيقي بالكامل، بل تنقسم دائماً إلى أبعاد معلنة وأخرى خفية. الأبعاد المعلنة هي تلك التي تتسرب إلى وسائل الإعلام بعناية فائقة، وبما يتناسب مع أهداف وحسابات الأطراف المعنية، بينما تظل الأبعاد الخفية حبيسة الغرف المغلقة بناءً على توافق متبادل بعدم الإفشاء حتى يحين الوقت المناسب. وفي أحيان أخرى، قد لا ترغب إحدى الجهات في كشف المستور على الإطلاق، في حين يتعمد الطرف الآخر تسريب أجزاء من تلك الخفايا أو حتى كلها لخلط الأوراق وإحراج الخصم. وفي هذا الإطار بالتحديد، يجب أن نقيّم مسألة نشر تفاصيل الخطط التفاوضية المطروحة حالياً، فهي تمثل مزيجاً من الأبعاد المكشوفة وشبه المخفية للمحادثات الجارية، مع الأخذ في الاعتبار أن مسار التفاوض بحد ذاته لا يقتصر بالضرورة على مناقشة تلك الخطط والأطروحات وحدها.
وإذا أمعنّا النظر في المشهد الحالي، يبدو جلياً أنه في أعقاب مفاوضات “إسلام آباد” وما تلاها من توترات واضطرابات سياسية حادة، تغيرت قواعد اللعبة التفاوضية بشكل جذري. لقد استمرت المحادثات بالفعل، ولكنها أخذت قالباً جديداً تماماً يحمل أهدافاً مغايرة ومحددة سلفاً. وهنا يبرز التساؤل الملح الذي يفرض نفسه على طاولة التحليل: هل يمكن لهذا التغيير في الشكل والمضمون أن يدفع عجلة المفاوضات نحو الأمام ويقود الأطراف المتصارعة إلى اتفاق حقيقي وفعال؟
الواقع الميداني والسياسي لا يبعث على الكثير من التفاؤل؛ فالمؤشرات الإيجابية التي يمكن البناء عليها تبدو شحيحة للغاية، بينما تتراكم في المقابل المتغيرات السلبية والمدمرة التي تعصف بما تبقى من ثقة بين الأطراف، مما يجعل من بلوغ أي اتفاق أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد.
خلاصة القول، إننا نعيش مرحلة دقيقة وحساسة لم تعد فيها “لعبة المفاوضات” ميداناً سياسياً مستقلاً بحد ذاته، بل استحالت جزءاً لا يتجزأ من “لعبة الحرب” الكبرى. وفي ظل هذا التشابك الميداني والدبلوماسي الخطير، فإن احتمالية انقلاب الطاولة وتحول المشهد فجأة من حوار على طاولة المفاوضات إلى صدام عسكري مفتوح تظل قائمة في كل لحظة، بل إن الإرهاصات والعلامات التي تنذر بهذا التحول الدراماتيكي باتت تلوح في الأفق بوضوح، لتؤكد أن الدبلوماسية قد تكون مجرد استراحة قصيرة قبل دوي المدافع.
