السبت, مايو 30, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباربزة "الليكود" فوق جثة "الزول".. عن التيه السوداني

بزة “الليكود” فوق جثة “الزول”.. عن التيه السوداني

سودان تمورو

لم يكن مجرد خبرٍ عابر ذلك الذي تناقلته الوكالات في الرابع من مايو الجاري؛ فمقتل الشاب السوداني “مجاهد أدومة تبن” في جنوب لبنان، ليس مجرد خسارة بشرية في حربٍ إقليمية مستعرة، بل هو “صدمة هوية” تضرب في عمق الوجدان الجمعي السوداني. أن يسقط شابٌ من دارفور، يرتدي بزة الجيش الإسرائيلي ويقاتل تحت راية دولة الاحتلال في مواجهة مقاتلي حزب الله، هو إعلانٌ مدوٍّ عن تصدع جدار “الزول” العظيم، ذلك الرمز الذي ظل لعقود أيقونةً للنزاهة، والأمانة، وإغاثة الملهوف، والوقوف الفطري مع قضايا الحق والتحرر.
إن هذا المشهد السريالي -سوداني يلقى حتفه بقذيفة مضادة للدروع في مهمة تمشيط لصالح تل أبيب- يمثل الذروة الدرامية لمسار انحداري بدأ يتشكل في العقدين الأخيرين. فالبوصلة التي كانت تشير دوماً نحو قيم النبل والشهامة، بدأت تنحرف تحت ضغط اليأس، والحروب الأهلية، والتمزيق المنهجي للنسيج الاجتماعي. لم يعد “الزول” هو ذلك الإنسان الذي يُضرب به المثل في الأمانة في دول الخليج أو العواصم العربية، بل صار يظهر في جبهات “داعش” في ليبيا وسوريا، واليوم في خنادق الاحتلال، مروراً بمشاهد الإغتصاب و”الشفشفة” وحملات”أبولولو” الإنتقامية و”بقر البطون” والتمثيل بالجثث في حرب الخامس عشر من أبريل العبثية داخل السودان نفسه.
ما يحدث ليس “طيشاً فردياً”، بل هو إفراز طبيعي لمجتمعٍ أُنهكت قواه الأخلاقية بفعل الصراعات المستدامة وتجارة الارتزاق العابرة للحدود. حين تتحول الحرب إلى “مهنة”، ويصبح السلاح هو الأداة الوحيدة لانتزاع الاعتراف أو لقمة العيش، تذوب الفوارق الأيديولوجية وتتلاشى المحرمات الوطنية. إن انضمام شاب سوداني لجيشٍ يحتل أرضاً عربية ويقتل شعباً يقاوم، هو “نكسة أخلاقية” تضعنا أمام مرآة الحقيقة المرة: لقد تشوهت ملامح الشخصية السودانية بفعل الفقر، والتهميش، وغياب المشروع الوطني الجامع الذي يحفظ للشباب كرامتهم وانتماءهم.
إن السودان اليوم يمر بمرحلة “التحلل القيمي”؛ فالحرب الحالية لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، بل ضربت “البنية الفوقية” للإنسان السوداني. إن ممارسات البطش والتنكيل بين أبناء البلد الواحد، والتي وصلت لدرجة من الوحشية لم يعهدها تاريخ السودان المعاصر، هي التي مهدت الطريق ليصبح “الارتزاق” في صفوف المحتل خبراً قابلاً للنشر والتحليل. لقد باتت “الذات الوطنية” في غرفة الإنعاش، وما لم يتدارك السودانيون أمرهم بمراجعة اجتماعية ونفسية شاملة، فإن نموذج “مجاهد تبن” لن يكون مجرد استثناء صادم، بل نذيراً بتحول “الزول” من رمز للإنسانية إلى “بندقية للإيجار” في سوق النخاسة السياسية الدولية.
إن وقف الحرب في السودان عبر الاتفاقات السياسية لم يعد كافياً؛ فالمطلوب هو “ثورة وعي” تلاحق الظواهر الاجتماعية المستجدة وتفكك خطاب الكراهية الذي جعل القتل مهنة والارتزاق خياراً. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى “السودانوية” بعيداً عن أزيز الرصاص وقذائف الـ (كورنيت) في جنوب لبنان أو صحاري ووديان كردفان. إذا لم تُرمم هذه المنظومة القيمية المنهارة، فسنصحو يوماً على وطنٍ بلا “زول”، وعلى شعبٍ فقد ذاكرته الأخلاقية وسط ركام الحروب والولاءات المبيعة لمن يدفع أكثر، وحينها ستكون الفجيعة أكبر من مجرد نعي لشاب في مقبرة عسكرية غريبة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات