السبت, مايو 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تصنع العقوبات القوة!.. بقلم سعد الدين عطية الله

حين تصنع العقوبات القوة!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في تحليل نادر يلامس أصل القوة العسكرية الإيرانية لا فروعها الظاهرة، تقدم مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي على لسان كبير محلليها ستيف فلدستاين قراءة مغايرة للمشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط. المقال يقرّ، دون مواربة، بأن قدرة إيران الصاروخية والمسيّرة التي تربك حسابات البنتاغون اليوم لم تكن لتوجد لولا “الهدية القسرية” التي تلقتها طهران في ثمانينيات القرن الماضي، حين فرض عليها حظر تسليحي خانق وسحب كل المستشارين الأجانب إبان الحرب العراقية – الإيرانية. يومها، لم تجد إيران الثورة الوليدة أمامها سوى خيارين: إما الاستسلام، وإما أن تصنع كل شيء من الصفر. اختارت الخيار الأقسى والأبعد مدى.

انطلق أول مسيّر إيراني، مهاجر-1، من ورشة فقر الموارد لا من مختبرات الترف التقني، عام 1986، في عز القحط العسكري. واليوم، بعد أربعة عقود، تحولت تلك البذرة إلى غابة صناعية متشعبة تملك عشرات النماذج من الطائرات المسيّرة، بينها موديلات قتالية وانتحارية أثبتت فاعليتها القاتلة في ميادين اليمن وأوكرانيا. وتشير تقديرات كارنيغي إلى ترسانة فلكية تصل إلى ثمانين ألف طائرة مسيرة وآلاف الصواريخ الباليستية، مع قدرة إنتاجية شهرية بمئات الصواريخ وآلاف المسيّرات. والأهم من العدد، أن طهران لم تعد مجرد منتج، بل أصبحت المموّل التكنولوجي الأول لشبكة المقاومة الإقليمية، تنقل الخبرة لا السلاح فقط.

لكن المفاجأة الكبرى في شهادة المؤسسة الأميركية ليست في تعداد الترسانة، بل في كشفها لاقتصاديات الحرب الجديدة التي قلبت مفهوم الردع. المسيرة الانتحارية “شاهد 136” تكلف ما بين عشرين وخمسين ألف دولار للوحدة. في المقابل، يتكلف اعتراضها بصاروخ باتريوت نحو 3.7 مليون دولار، وبصاروخ “ثاد” نحو 12.7 مليون دولار. المعادلة صادمة: بنسبة 60 أو 70 إلى واحد لصالح الجيب الإيراني. هذه ليست حربًا تقليدية، بل هندسة إفلاس للخصم عبر استنزاف أنظمة دفاعية أثمن من الذهب.

ولم يبق الكلام حبرًا على ورق. فلدستاين يسجل اختراق الاستراتيجية الإيرانية لدفاعات لا تُخترق، وتدمير 228 نقطة عسكرية، بينها طائرة أواكس بلغت تكلفتها 540 مليون دولار، ورادار ثاد بـ 300 مليون دولار. حين يطحن طائر بلا طيار قيمته سيارة متواضعة رمزًا من رموز التفوق التكنولوجي الغربي، يتغير تعريف النصر، وتنقلب موازين الردع التي قام عليها الأمن الدولي منذ الحرب العالمية الثانية.

والمقلق في تحليل كارنيغي ليس ما حدث، بل ما سيحدث. المقال يحذر من أن نجاح “النموذج الإيراني” في الميدان أوقد شهية دول أخرى لتقليده، مما يبشر بعالم تصبح فيه الحروب اللامتماثلة هي القاعدة، والقوى الصغرى والمتوسطة قادرة على إملاء شروط الاشتباك على العمالقة.

رسالة المؤسسة البحثية العريقة واضحة: العقوبات والحصار لم يضعفا إيران، بل دفعاها إلى خلق قوة ذاتية من رحم الحرمان، قوة أثبتت أن التكنولوجيا ليست حكرًا على من يملك المال، بل هي سلاح من لا يملك شيئًا ليخسره. وفي الوقت الذي تستنزف فيه السفن الحربية والمقاتلات الشبح ميزانيات دافعي الضرائب في الغرب، تمطر طائرات إيران الرخيصة السماء لتكتب نهاية عصر الاحتكار العسكري، وتعلن أن المستقبل، في الحرب كما في الاقتصاد، قد يصنع من العدم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات