سودان تمورو
بعد كل ما نُفخ في البوق وأُعلن عن “فتح” مضيق هرمز، يخرج ترامب اليوم ليعلن “تأجيل” مشروعه ذاك. والسبب؟ حسب زعمه: “طلب من باكستان” و”نجاح عسكري بارز” في العمليات ضد إيران و”تقدم في الصفقة” معها! هذا الكلام الملتوي لا يحمل سوى رائحة الانسحاب المُذل الملفوف بورق الهدايا. إنه الاعتراف غير المباشر بأن الورقة الإيرانية في المضيق لا تزال هي الرابحة، وأن كل ضجيج “الفك والحظر” لم يصمد أمام ثبات الموقف الإيراني.
لا يمكن لأحد أن يتراجع عن هدف أعلنه وهو في قمة تفوقه العسكري المفترض إلا إذا واجه حقيقة صلدة على الأرض: أن كلفة التقدم أكبر من كلفة التوقف. وهذا بالضبط ما تكشفه هذه اللحظة: أن معادلة القوة تتغير. فترامب، الذي يحرص دائماً على صورة “القوي الذي لا يُهزم”، يضطر اليوم لتجميل انسحابه بلغة غامضة تخلط بين “النجاح” و”التأجيل”، وهي لغة المغلوب الذي يحاول إنقاذ ماء وجهه.
هذه الواقعة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة تؤكد حكمة جوهرية: “تكلفة المقاومة أقل من تكلفة الاستسلام”. عندما تخوض مفاوضات من دون ظهر مقاوم، تكون النتيجة هي ما رأيناه في الاتفاق النووي السابق وآلية “الزناد” التي تحولت إلى خسارة صافية. لماذا؟ لأن الطرف الآخر كان يعلم أنه لن يدفع ثمناً. وعندما تغيب التكلفة، تتحول المفاوضات إلى إملاء: يأخذون الامتيازات، يقدمون الوعود، ثم ينقضون الاتفاق من تحت الطاولة.
التاريخ الذي نعيشه يُثبت، بمنطق الحديد والنار، أن كل تراجع كلف المقاومة غالياً، وكل موقف صلب أجبر الخصم على الترنح. اليد التي تمسك بمضيق هرمز اليوم ليست مجرد يد على خريطة، إنها مؤشر على انزياح في موازين الردع. فالذي يستطيع أن يعلن عن “تأجيل” مشروع يعده العالم لاختبار قوته، هو الذي يقرّ بشكل غير مباشر أن الاختبار قد جرى، وأن النتيجة لم تكن في صالحه. هذه هي لغة القوة الحقيقية: لا تقاس بالضجيج في الإعلام، بل بالصمت الإجباري بعد التهديد، وبالانسحاب المُزيّن تحت مبررات واهية. إيران، من خلال ثباتها في هذا الملف، لا تدافع عن مضيق فحسب، بل ترسم حدوداً جديدة للقوة في المنطقة: حدوداً يكتشف العالم أنها لا تُعبّر بالدبابات وحدها، بل بالإرادة التي تجعل من المضيق سيفاً مسلطاً على رقبة كل من يفكر في العبث بأمن المنطقة.
