سودان تمورو
1. في تنوير لضباط الدعم السريع، يروج حميدتي لما يسمى (أخبارا سارة)، لكنها لا تعكس إنجازا عسكريا، بل تشير إلى استهداف منشآت مدنية – من محطات كهرباء إلى أحياء سكنية وتخريب مهابط مطارات مدنية – في خرق واضح لقواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني، ومن المفارقة أن هذا الخطاب يُطرح رغم انكشاف الواقع، مع استمرار روايات يعلم قائلها تعارضها مع الحقيقة، في وقت بات فيه الرأي العام أكثر وعيا وتمييزا، وبحسب ما نُقل عن لقاءٍ جمع وفدا أهليا بحميدتي لثنيه عن الحرب، فقد برّر تمسّكه بالمضي فيها بأنه (ملزم) من إحدى الدول بتنفيذ ترتيبات تتعلق بملفات بينها ميناء أبو عمامة والفشقة، مشيرا إلى أنه إذا لم يوقّع البرهان على تلك الترتيبات (سيُتجاوز)، ليقوم هو بالتوقيع بنفسه.
2. على طريقة (الثعلب في ثياب الواعظين)، خرج حميدتي مستنكرا استهداف الجيش لقيادة الدعم السريع ومتهما إياه بإشعال الحرب، غير أن هذا الخطاب يتجاهل وقائع أساسية، في مقدمتها تحركات قواته التي شملت الدخول إلى مطار مروي شمال السودان، فضلًا عن تبنّي نهج هجومي ظل قائما حتى مراحل متقدمة قبل أن يتمكن الجيش من استعادة زمام المبادرة في الخرطوم ومحاور كردفان. هذا التباين بين الخطاب والممارسة يعكس محاولة لإعادة صياغة الرواية بما يخدم الموقف الراهن، رغم أن تسلسل الأحداث القريب لا يسعف هذا الطرح ولا يدعمه.
3. ومن باب التأكيد على حالة الارتباك التي تسيطر على الخطاب السياسي للدعم السريع، قال حميدتي إن (الجيش القادم) لن يمثل الحركة الإسلامية، وقطع بأنه لن يمثل تحالف (تأسيس). ويبدو أن هذا الحديث يعكس إدراكا متزايدا لصعوبة استمرار التحالفات القائمة بالصورة التي رُسمت لها، خاصة مع تنامي مؤشرات الانقسام داخل مكونات هذا التحالف، وبعضها قد وصل مصر في اطار الترتيبات، كما تشير هذه التصريحات إلى محاولة لإعادة تموضع سياسي يتواءم مع المتغيرات الميدانية والإقليمية، بعد أن بات واضحا أن المشروع الذي سعت بعض الأطراف الخارجية إلى تمريره يواجه تحديات حقيقية قد تُضعف تماسكه وربما تدفعه نحو التفكك ومن ثم الانهيار.
4. أشار حميدتي بعبارة (أضرب الكلب في عقر داره) في سياق حديثه عن استهداف عزام كيكل قبل أيام، وهو تصريح يقدّم في حد ذاته إقرارا ضمنيا بطبيعة العمليات التي نُفذت، بما ينسف بعض الروايات المتداولة حول ملابسات الحادثة واتهام جهات داخلية بثتها المليشيا، وفي المقابل، حاول لاحقا رسم حدود أخلاقية للعمليات بالحديث عن أن قواته لا تستهدف الأطفال والنساء، قبل أن يشير إلى أن قواته نفسها (تضررت). هذا التذبذب بين تبنّي منطق الاستهداف ونفي نتائجه يعكس حالة ارتباك واضحة في صياغة الرواية.
5. في تصريحٍ أثار جدلا واسعا، نفى قائد الدعم السـ ريع عودة المواطنين إلى الخرطوم عقب دخول الجيش، رغم ما شهدته المدينة من مؤشرات واضحة على عودة تدريجية بعد موجات نزوح واسعة، والمفارقة أن حميدتي بات يكرر روايات يعلم تعارضها مع الواقع، ويعلم أن الناس تدرك ذلك جيدا، ومع ذلك يواصل ذات النهج بلا اكتراث، حتى بات خطابه أقرب إلى تكرار مقولة: (اكذب حتى يصدقك الناس).
6. ذهب حميدتي إلى الجزم بمصير من يقاتلهم، مدعيا أنهم (في عقر جهنم)، وهو خطاب يتجاوز حدود السياسة والحرب إلى الحديث في أمر استأثر الله بعلمه وحكمه، كما أن مثل هذا الطرح يناقض الصورة التي يحاول بعض أنصاره تقديمها عنه باعتباره رجل قرآن، إذ لو استصحب معاني القرآن حقا لأدرك خطورة القول بغير علم، ولتذكر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هذا إن لم يدخل هذا التصريح في إطار تشدد التكفير والقتال بدوافع دينية.
7. حاول المتمرد استنساخ صورة رئيس الأركان مع قادة الوحدات، لكن ما هناك رمزٌ للتقدير واتساع المعنى، تحوّل هنا إلى مشهد بلا روح ولا دلالة، فقد خرجت الفكرة من سعة القومية وجاءت أقرب إلى نشاز يضعف الرسالة بدل أن يعزّزها.
