سودان تمورو
في منعطفٍ يكشف عمق التحولات الاستراتيجية على الساحة الدولية، تتجه أنظار العالم إلى بكين، حيث من المتوقع أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ، محمّلاً بملفات شائكة أبرزها ما سرّبته أجهزة استخباراته حول نية الصين تزويد إيران بأنظمة دفاع جوي متطورة عبر دول ثالثة. هذه المزاعم، التي نقلتها صحيفة “تلغراف”، لا تمثل مجرد نقطة خلاف عابرة، بل هي جوهر الصراع على مستقبل التوازنات الجيوسياسية، حيث تجد واشنطن نفسها في مأزق لم تكن تتوقعه. الشيء الوحيد المؤكد هو أن القيادة الصينية تدرك بعمق أن الضغط الأمريكي على طهران ليس سوى مقدمة للمعركة الكبرى التي تعدّها واشنطن ضدها، وأن أي تماهٍ مع الطرح الأمريكي ضد إيران يعني حرفياً أن بكين ستكون الضحية التالية في قائمة الهيمنة الأمريكية. ولعل حكمة التاريخ ودروسه حاضرة بقوة في ذهن صناع القرار في بكين، الذين لن يسمحوا لأنفسهم بأن يرددوا في نهاية المطاف مقولة “أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأبيض”.
سبحان مغير الأحوال، فالرئيس الأمريكي الذي كان يعتقد أن مواجهة إيران ستكون أشبه بنزهة عسكرية خاطفة كتلك التي فعلها في فنزويلا، عملية سريعة يذهب بعدها مزهواً ومنتشياً إلى بكين ليطلب من شي جين بينغ التوقيع على أوراق استسلام الصين تجارياً وسياسياً، يجد نفسه اليوم في موقف مختلف تماماً. فهو لا يحمل في جعبته تهديدات اقتصادية فحسب، بل يذهب إلى بكين راجياً، يقدم إغراءات محتملة قد تصل إلى تخفيف الحصار البحري في مضيق هرمز أو السماح بتدفق النفط الإيراني إلى الصين، مقابل شيء واحد فقط: أن تمتنع بكين عن تسليح طهران. في هذا الطلب اعتراف ضمني بأن الترسانة العسكرية الإيرانية باتت تشكل تحدياً وجودياً للمصالح الأمريكية في المنطقة، وأن ترامب لم يعد قادراً على الصمود أمامها بمفرده، فبات يستجدي الخصم الاستراتيجي الأكبر لمساعدته في مواجهة خصم إقليمي عنيد. إن ما سيجري في بكين لن يكون مجرد مفاوضات تجارية، بل هو إعادة رسم لخارطة التحالفات والنفوذ في عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية.
