سودان تمورو
في خضم أزمة إمدادات طاقة عالمية خانقة، ومع تعطل تدفق ملايين البراميل من النفط يومياً بسبب إغلاق مضيق هرمز، اتجهت أنظار العالم شرقاً وغرباً بحثاً عن منقذ. لكن المفارقة القاسية تكمن في أن أكبر منتج للنفط في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، يقف اليوم عاجزاً عن لعب هذا الدور، مخيباً آمال حلفائه الذين راهنوا طويلاً على ثورة النفط الصخري لتكون صمام الأمان في أوقات الشدة.
على الرغم من الدعوات والضغوط السياسية التي مارسها دونالد ترامب لحث الشركات على زيادة الإنتاج، إلا أن الواقع على الأرض يحكي قصة مختلفة تماماً. فالشركات التي جنت أرباحاً قياسية بفضل ارتفاع الأسعار، تبدو حذرة ومنكمشة على ذاتها، وتفضل الانضباط المالي الصارم على المغامرة بزيادة الاستثمارات في مشاريع حفر جديدة. منطق وول ستريت يطغى على احتياجات واشنطن الجيوسياسية؛ فعمالقة مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون” أعلنوا صراحة أنهم لن ينحرفوا عن ميزانياتهم المعتمدة، مدركين أن تقلبات أسعار النفط قد تحول الأرباح الحالية إلى خسائر فادحة في المستقبل القريب، خاصة وأن تجهيز بئر جديدة يستغرق شهوراً طويلة قد يتغير خلالها وجه العالم.
وحتى لو تحلت هذه الشركات بالجرأة، فإن الأرقام لا تبشر بالخير. ففي ذروة إنتاجها، ضخت الولايات المتحدة 21.2 مليون برميل يومياً من النفط وسوائل الغاز الأخرى، وهو رقم هائل ولكنه لا يكفي. فالزيادة المتوقعة في الإنتاج لهذا العام، بحسب أكثر التقديرات تفاؤلاً، لن تتجاوز 250 ألف برميل يومياً. هذا الرقم ليس سوى نقطة في بحر النقص العالمي البالغ 10 ملايين برميل يومياً، حيث لا يعوض سوى 3% من الفجوة التي خلفها إغلاق المضيق.
لكن التحدي الأعمق يكمن في قيود هيكلية لا يمكن تجاوزها بقرار سياسي. فمعظم النفط الأمريكي المنتج اليوم هو من النوع الخفيف جداً، بينما صُممت غالبية المصافي الأمريكية والعالمية لمعالجة النفط الثقيل المستورد من مناطق أخرى. هذا الاختلال الفني يعني أن حقول النفط الصخري، حتى لو عملت بأقصى طاقتها، فإن جودة إنتاجها لا تتناسب مع البنية التحتية القائمة للتكرير، مما يخلق عنق زجاجة يصعب التعامل معه على المدى القصير.
وهكذا، تجتمع حلقة من التحديات لتكبّل يد المنتج الأمريكي؛ من حذر الشركات وخوفها من تقلبات الأسعار، إلى محدودية الزيادة الفعلية في الإنتاج، وصولاً إلى المعضلة الفنية في جودة النفط الخام. لقد تبدد الوهم بأن الولايات المتحدة قادرة على أن تكون بنك الطاقة المركزي للعالم. والنتيجة هي حقيقة مؤلمة للدول المعتمدة على استيراد الطاقة، والتي تجد نفسها اليوم وحيدة في مواجهة نقص حاد، بعد أن أدركت أن وعود الاكتفاء الذاتي الأمريكي لم تكن سوى سراب في صحراء أزمة الطاقة العالمية.
