سودان تمورو
لم تكن التسريبات الصوتية الأخيرة للقائد المنشق عن قوات الدعم السريع، علي رزق الله الشهير بـ “السافنا”، مجرد صوت عابر في فضاء الحرب السودانية المحتدمة، بل كانت بمثابة تشريحٍ حيٍ لجسدٍ بدأ يتآكل من الداخل. فبينما يغرق السودان في أتون صراع وجودي، تكشف هذه الشهادات عن حقائق صادمة حول الدائرة الضيقة لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتؤكد أن “بيت الطاعة” الذي أُسس على الولاء المطلق والمصلحة المشتركة قد بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليس بفعل ضربات الجيش فحسب، بل نتيجة الانهيار الأخلاقي والسياسي لنموذج حكم “الأسرة الواحدة”.
إن الإشارة اللافتة التي ساقها “السافنا” حول مصير يوسف عزت، المستشار المقرب الذي غُيب في المعتقلات منذ أكتوبر 2025، تعيد رسم المشهد داخل أروقة الدعم السريع؛ فالمشروع الذي قُدم للناس كحراكٍ سياسي أو عسكري تحول في جوهره إلى سجن كبير لا يرحم حتى أقرب الحلفاء. يتضح جلياً أن القضية لم تعد تتعلق بتغيير جذري أو إصلاح للدولة السودانية، بل انحصرت في “شخص واحد” وعائلته، في وقت تحول فيه السودانيون -كما وصف “السافنا”- إلى شعوب متنافرة بعد أن كانوا شعباً واحداً، نتيجة السياسات التي غذت الفتنة والمطامع.
لكن، وقبل أن ينجرف المتابعون خلف موجة “المنشقين الجدد”، يجب وضع هذه التصريحات في ميزان الحقيقة والواقع. فخروج أسماء مثل يوسف عزت، وكيكل، وقبة، وأخيراً السافنا، لا يحمل في طياته صكوك براءة أو إعلاناً عن توبة نصوح تجاه الشعب السوداني. إن هؤلاء ليسوا ضحايا ضمير استيقظ فجأة، بل هم شركاء في نهجٍ استقطابي قام على شرعنة نهب المواطنين واغتصاب ممتلكاتهم الثمينة تحت غطاء “التحرير”. إن انشقاقهم يبدو أقرب إلى “حرب مصالح” ضاقت بعد أن تقوقع الدعم السريع في مناطق جغرافية محددة بكردفان ودارفور، حيث لم تعد الموارد المنهوبة تكفي لأطماع “أمراء الحرب” الذين اعتادوا على العيش من فتات الكعكة.
لو كانت هذه التصريحات نابعة من ندم حقيقي، لسمعنا اعترافاً بالمسؤولية، واستعداداً كاملاً للمثول أمام القضاء العادل، ولتجريدٍ من الطموحات والمناصب. لكن الواقع يشير إلى أنهم استمروا في ممارسة “مدرسة حميدتي” حتى الرمق الأخير من علاقتهم به، ولم يرحلوا إلا حينما استشعروا الخطر أو انقطعت سبل الرزق الحرام.
وأمام هذا المشهد الضبابي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يواجه قيادة الجيش السوداني: هل هذه الانشقاقات هي ثمار استراتيجية عسكرية محكمة تهدف لتفكيك المليشيا من الداخل لتقصير أمد الحرب وحقن دماء السودانيين؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه “فرقعة إعلامية” تستقبل الفارين من “رمضاء حميدتي” دون ضمانات حقيقية للمحاسبة أو العدالة؟ إن الشعب السوداني، الذي سئم الحرب والانتظار، لا يكترث كثيراً بصراعات الأمراء بقدر ما يهمه إنهاء هذا الكابوس؛ فالتعويل على انشقاقات “أصحاب المصلحة” يظل رهانًا خاسرًا ما لم يقترن برؤية وطنية واضحة تضع حدًا للمظالم، وتضع هؤلاء في قفص الاتهام بدلاً من تحويلهم إلى “أبطال” يبحثون عن مأوى جديد على ضفتي النيل.
