الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيرحلة ترامب إلى بكين.. أيادٍ خاوية في مواجهة التنين!.. بقلم نزار أحمد

رحلة ترامب إلى بكين.. أيادٍ خاوية في مواجهة التنين!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

يتوجه دونالد ترامب إلى بكين للقاء شي جين بينغ في ظل ظروف جيوسياسية بالغة التعقيد، حيث تتشابك ثلاث أزمات كبرى: الحرب مع إيران، ومسألة تايوان، والتنافس التجاري بين واشنطن وبكين. هذه الزيارة تأتي في لحظة حرجة يجد فيها الرئيس الأميركي نفسه في موقف أضعف مما كان يتصوره، بينما تمسك الصين بأوراق أقوى في لعبة المساومات الدولية.

كان ترامب يعتقد أن انتصاره في الحرب مع إيران سيزيل أحد أعضاء ما يصفه ب “محور الفوضى” ويضعه في موقع جيوسياسي أفضل أمام الصين. لكن بعد أربعين يوماً من الصراع، جاءت النتيجة معكوسة تماماً. لم تحقق واشنطن أهدافها فحسب، بل باتت في حاجة أكبر إلى بكين من أي وقت مضى. الحرب التي كان من المفترض أن تنتهي سريعاً بإسقاط النظام الإيراني وإغلاق الملفات النووية والصاروخية والإقليمية، تحولت إلى مستنقع يستنزف القدرات الأميركية ويعزز موقف الصين التفاوضي.

من المتوقع أن يطلب ترامب من شي جين بينغ ممارسة ضغوط أكبر على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز وحل الملف النووي. تدرك واشنطن أن أربعين يوماً من القصف والتهديدات المتكررة بتدمير الحضارة أو ضرب البنية التحتية لم تكن كافية لتغيير موقف إيران، بل إن ضرب البنية التحتية لا يضمن بالضرورة استسلام طهران. لذا يراهن ترامب على أن الصين، بصفتها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني والدولة التي تساعد في كسر الحصار، قادرة على التأثير في حسابات إيران.

كذلك يسعى ترامب إلى إضعاف الدعم العسكري الصيني لإيران. قبل وبعد الحرب، انتشرت تقارير غير رسمية عديدة عن مساعدات صينية لبرنامج الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيراني، بما في ذلك توفير صور الأقمار الصناعية ومكونات ضرورية لإنتاج الصواريخ والمسيّرات. تعتبر واشنطن هذا الدعم أحد العوامل الرئيسية لصمود إيران.

الأمر الثالث الذي يدفع ترامب للاستعانة بالصين هو أن الحرب مع إيران أنهكت مخزونات الأسلحة الاستراتيجية الأميركية، الهجومية والدفاعية على حد سواء. لا تحتاج واشنطن إلى سنوات عديدة لتجديد هذه المخزونات فحسب، بل إن إنتاجها يعتمد على عناصر نادرة يتركز إنتاجها واستخراجها في الصين. يحاول ترامب في زيارته تمهيد الطريق لاستيراد هذه العناصر من بكين.

لكن مدى موافقة الصين على هذه المطالب يعتمد على عوامل مختلفة. فيما يتعلق بإيران، لا تسمح حقائق التنافس الجيوسياسي مع واشنطن للصين بقطع دعمها العسكري لطهران، إذ باتت إيران لاعباً رئيسياً في مواجهة الولايات المتحدة. كلما أبدت إيران مقاومة أكبر، استُنزفت قدرات أميركا أكثر، وهو ما يصب في مصلحة الصين. مع ذلك، فإن بكين غير راضية عن الوضع الحالي في مضيق هرمز، وقد تقرر بعد لقاء ترامب ممارسة ضغوط أكبر على إيران لإعادة فتح المضيق. حالياً، لدى الصين حافز منخفض للتدخل المباشر لإنهاء الحرب، لكن إذا رأى قادتها أن المضيق سيبقى مغلقاً لفترة طويلة أو أن التوتر سيرتفع إلى درجة انفجار أسعار النفط، وهو ما يضر الصين أكثر، فإن شي سيتدخل لإنهاء الحرب.

علاوة على ذلك، لم يتضح بعد الموقف النهائي للصين من البرنامج النووي الإيراني بشكل علني، ويبدو أن إيران نفسها لم تتخذ قراراً حاسماً بشأن مصير برنامجها النووي. في هذه الظروف، يبقى السؤال: كيف ستتعامل الصين مع البرنامج النووي الإيراني في المفاوضات بعد زيارة ترامب؟

يجب أن ندرك أن مصير هذه الملفات يعتمد على الأوراق والامتيازات المتبادلة التي تقدمها واشنطن على الطاولة. من البديهي أن الصين لن تقتنع بالضغط على إيران من خلال الإقناع والحوار فقط، بل يجب على أميركا أن تقدم امتيازات كبيرة في المقابل. في كل الأحوال، يمكن القول إن بعض مصالح إيران، خاصة السيطرة على مضيق هرمز، معرضة للخطر في لقاء ترامب مع الصين، لكن لا يمكن تفسير ذلك على أنه قطيعة كاملة بين بكين وطهران، خاصة في خضم التنافس الهيمني مع واشنطن.

على صعيد تايوان، رغم وجود إجماع فوق حزبي في واشنطن على دعم الجزيرة، لا يزال مدى التزام ترامب بهذه السياسة محاطاً بالغموض. منذ بداية ولايته الثانية، اتخذ ترامب مواقف مبهمة تجاه تايوان. يمكن للصين أن تطالب بامتيازين رئيسيين: وقف المساعدات العسكرية الأميركية لتايوان، وتقريب الموقف الرسمي الأميركي من موقف الصين بشأن ضم تايوان ورفض استقلال الجزيرة صراحة. أي مرونة من ترامب تجاه هذه المطالب ستشكل تحولاً جدياً في السياسات الآسيوية الأميركية، قد يؤدي إلى انفصال تايوان عن واشنطن وزيادة احتمال ضمها إلى الصين.

بعد تايوان، يشعر حلفاء أميركا الآخرون في منطقة الهند والمحيط الهادئ، مثل كوريا الجنوبية واليابان والفلبين وأستراليا، بالقلق من أن ترامب قد يضحي بمصالحهم لتحقيق مطالبه في الحرب مع إيران أو العلاقات التجارية. هذا لا يعني انهيار تحالف واشنطن مع هذه الدول، لكن نتائج لقاء ترامب مع شي قد تضع أصدقاء أميركا في جنوب شرق آسيا في موقع أضعف أمام الصين.

أما المحور التجاري، فمن المرجح أن تتركز المفاوضات على إدارة التنافس الاقتصادي ومنع تصعيد الحرب الجمركية بين البلدين. تسعى واشنطن إلى تقليص عجزها التجاري مع الصين، وزيادة وصول الشركات الأميركية إلى السوق الصينية، والحد من الدعم الصناعي الواسع الذي تقدمه الحكومة الصينية. ستطلب واشنطن على الأرجح من بكين زيادة واردات المنتجات الزراعية والطاقة والسلع الصناعية الأميركية لتعويض جزء من الاختلال التجاري.

في المقابل، تحاول الصين تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية الأميركية. ستطالب بكين على الأرجح بتخفيض الرسوم الجمركية الأميركية على السلع الصينية، وتخفيف القيود على صادرات التكنولوجيا المتقدمة، خاصة في مجال أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي ومعدات الاتصالات. تسعى الصين أيضاً إلى تقليص القيود على شركاتها التكنولوجية الكبرى وتسهيل استثمار الشركات الصينية في السوق الأميركية.

زيارة ترامب المقبلة إلى بكين تجري في ظروف تتشابك فيها ثلاث أزمات رئيسية: الحرب مع إيران، ومسألة تايوان، والتنافس التجاري بين الصين وأميركا. بعد فشله في تحقيق أهدافه في الحرب مع إيران، يحتاج ترامب الآن إلى تعاون بكين لإدارة أزمة مضيق هرمز، واحتواء البرنامج النووي الإيراني، وتقليص الدعم المحتمل من الصين لطهران، أكثر من أي وقت مضى. في المقابل، تحاول الصين، دون قطع الدعم الاستراتيجي لإيران، استغلال الأزمة لاستنزاف قدرات أميركا، رغم قلقها من إغلاق مضيق هرمز، وقد تضغط على طهران لتليين مطالب إيران. في الوقت نفسه، ستكون مسألة تايوان إحدى أهم أوراق الصين في المفاوضات، وستطالب بكين على الأرجح بتقليص الدعم العسكري والسياسي الأميركي لتايوان، وهو ما يثير قلق حلفاء واشنطن الآسيويين. في المجال التجاري، تسعى أميركا إلى تقليص العجز التجاري واحتواء القوة الصناعية الصينية، بينما تطالب بكين بتخفيض الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية الأميركية. نتائج هذا اللقاء قد تؤثر بشكل جدي على توازن القوى العالمي ومستقبل الأزمات الدولية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات