خاص سودان تمورو
تعد الانشقاقات المتتالية التي تضرب صفوف قوات “الدعم السريع” مؤخراً تحولاً مفصلياً في مسار الصراع السوداني، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل من زاوية الجغرافيا السياسية والتركيبة الاجتماعية المعقدة التي قامت عليها هذه القوات.
ولطالما اعتمدت قوات الدعم السريع في قوتها على “التماسك القبلي” والولاء العرقي، وهو ما جعلها كتلة صلبة في مواجهات الشوارع. لكن، ومع بروز انشقاقات قادة بوزن أبو عاقلة كيكل (شرق الجزيرة)، وعلي رزق الله “السافنا”، والنور القبة،( مناطق المحاميد فى دارفور) يبدو أن هذا الهيكل بدأ يعاني من “تصدعات بنيوية” قد تؤدي إلى انهياره من الداخل قبل الميدان.
تصدع “الغطاء الاجتماعي” وفقدان الحواضن
انشقاق قادة مثل “السافنا” و”كيكل” لا يعني خسارة أفراد فحسب، بل يعني خروج مكونات قبلية كاملة من معادلة الدعم.
خسارة العمق: خروج كيكل أفقد الدعم السريع غطاءه في وسط وشرق السودان، وانشقاق السافنا يضرب في صميم المكونات التي كانت تشكل العمود الفقري للقوات في دارفور.
تحول العداء: هذه الانشقاقات تحول الصراع من “جيش ضد متمردين” إلى “صراعات بينية” داخل الحواضن الاجتماعية للدعم السريع، مما يضعف قدرتها على التجنيد المستقبلي.
النجاح الاستخباراتي: “حرب العقول” تسبق الميدان
يشير حديث الخبيرة أماني الطويل إلى نجاح الجيش في اختراق الدوائر القريبة من قيادة الدعم. هذا النجاح يترتب عليه:
فقدان الثقة الداخلي: ستعيش قيادة الدعم السريع حالة من “البارانويا” الأمنية، حيث يصبح كل قائد ميداني موضع شك، مما يعطل سلاسة إصدار الأوامر العسكرية.
انهيار الروح المعنوية: عندما يرى المقاتل البسيط انشقاق قادة كبار وتنسيقهم مع الجيش، يتولد لديه شعور بأن “السفينة تغرق”، مما يشجع على الهروب الفردي أو الجماعي.
استراتيجية “المثلث”: الهروب إلى الأمام
الحشد العسكري في منطقة “المثلث” (الحدود السودانية الليبية المصرية) يُفسر كـ مناورة بقاء.
خلق عدو خارجي: تحاول القيادة توجيه الأنظار نحو معركة خارجية لترميم الشروخ الداخلية وتوحيد القوات تحت راية “الخطر الوجودي”.
تأمين خطوط الإمداد: المثلث يمثل الرئة التي تتنفس منها القوات عتاداً ومرتزقة؛ لذا فإن التمركز هناك هو محاولة أخيرة للحفاظ على “المركز الإداري” للقوات بعيداً عن ضغط الجيش في المدن الكبرى.
النتائج المتوقعة على المدى القريب والبعيد:
عسكريا يمكن ان يؤدى الى تراجع القدرة الهجومية للدعم السريع والتحول إلى “دفاع مشتت” في جيوب معزولة.
وسياسيا يمكن ان يؤدى الى ضعف الموقف التفاوضي للدعم السريع؛ فالمفاوض الذي يفقد سيطرته على قادته الميدانيين يفقد شرعيته الدولية.
اما ميدانيا فيمكن ان يؤدى الى تسهيل مهة الجيش السوداني في استعادة مناطق استراتيجية (مثل الجزيرة وسنار) دون خوض معارك استنزاف طويلة، بفضل التعاون مع القادة المنشقين.
الخلاصة
إن ما يشهده “الدعم السريع” اليوم هو بداية مرحلة “التآكل الذاتي”. فالقوة التي بنيت على أسس عصبية وقبلية، تنهار بمجرد أن تدرك تلك المكونات أن كلفة الاستمرار في التمرد تتجاوز المكاسب المحتملة، وأن “المؤسسة الوطنية” (الجيش) تظل هي الملاذ الوحيد المتبقي لتجنب الفوضى الشاملة.
الضربة الاستخباراتية لم تقتل جنوداً، بل قتلت “فكرة” التماسك داخل الدعم السريع.
