سودان تمورو:
ما نشهده اليوم هو ثمرة تحوّل جيوسياسي تاريخي، حيث لم تستطع الولايات المتحدة، برغم كل ما تملكه من ترسانة عسكرية واقتصادية، أن تُحقق نصراً حاسماً على إيران. بل على العكس، فإن المنعطف الحاسم جاء في ممرّ مائي استراتيجي هو مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى ساحةٍ أثبتت فيها طهران قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط فاعلة، تاركةً واشنطن في موقفٍ دفاعي. هذا المشهد ليس مجرد مناوشة إقليمية عابرة، بل هو مؤشّر على انزياح في مركز الثقل العالمي. فخروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تلك الأزمة دون تحقيق مكاسب واضحة، واستقبال الصين له من موقع القوة، لم يكن مصادفة. لقد أدركت بكين آنذاك أن طهران هي من منحتها مساحةً للتنفس والمناورة في لحظة دولية حرجة.
هذا الواقع ينسف كل التكهنات والتحليلات التي تتحدث عن إمكانية أن تتفق واشنطن وبكين على حساب مصالح إيران. فالبلاد التي استطاعت أن تصدّ أكبر قوة عسكرية في العالم، وتُعطّل مشروعاً أمريكياً استمر عقوداً لفرض نظام دولي أحادي القطبية، ليست في موقع الطرف الذي يُفرض عليه الأمر أو تُقرّر نيابة عنه. إنها قوة فاعلة وصانعة للقرار. وحتى تلك الإشاعات التي ترددت عن تنسيق صيني-أمريكي حول رسوم العبور في مضيق هرمز، تبقى إما غير صحيحة، أو حتى لو كانت تحوي شيئاً من الحقيقة، فإنها لا تعني أن الصين بمقدورها أن تملي على طهران ما يجب أن تفعله. فالعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل للمصالح الاستراتيجية، وليس على التبعية.
الدور الإيراني اليوم يتجاوز الإطار الإقليمي ليصبح محورياً في المعادلات الدولية الكبرى. ففي أوكرانيا، كان الدعم الإيراني عاملاً حاسماً في تمكين روسيا من الصمود في وجه الضغوط الغربية. وفي الجانب الآخر، تقدم طهران لبكين ضمانات استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة، مما يحمي الاقتصاد الصيني من أي هزات محتملة في المستقبل. بمعنى آخر، إيران لم تكن مجرد لاعب في الأزمات، بل كانت عنصر إنقاذ وتحوّل في أكثر من ساحة.
خلاصة القول: لقد أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على حروبها ومشاريعها في العراق وأفغانستان وسوريا وأوكرانيا، ونسجت الخطط لإحاطة الصين. ولكن الخيط الذي نَفَضَ هذه المشاريع كلها، وبدّد أحلام الهيمنة، كان بيد إيران. هذه هي القوة الناعمة والصلبة المتشابكة، وهذا هو المعنى الحقيقي لتغيّر موازين القوى في العالم. لقد وضعت طهران نفسها في قلب التحولات الجيوسياسية، وكتبت بقوة فصلًا جديدًا في العلاقات الدولية، حيث تعددية الأقطاب لم تعد شعاراً، بل واقعاً ملموساً تُشكّله إرادات دولية مستقلة.
