الثلاثاء, مايو 19, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل تنجح أوروبا في التمرد على الهيمنة الأمريكية؟.. بقلم سعد الدين عطية...

هل تنجح أوروبا في التمرد على الهيمنة الأمريكية؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

مع انقضاء أكثر من شهرين على إغلاق مضيق هرمز، تحاول باريس ولندن تدارك الموقف عبر طرح مبادرة أمنية مشتركة، في مسعى للقبض على زمام المبادرة في واحدة من أشد الأزمات الجيوسياسية تعقيداً في العالم. ورغم أن الواجهة المعلنة لهذا التحرك هي استعادة أمن الملاحة البحرية، إلا أن القراءة المتأنية للسطور تكشف عن رغبة أوروبية دفينة في لعب دور أكثر استقلالية في إدارة الأزمات الدولية، والفكاك التدريجي من الارتهان الاستراتيجي للولايات المتحدة.

تقوم الهندسة المعمارية لهذا الطرح الفرنسي البريطاني، والذي يحمل لافتة “مهمة عسكرية متعددة الجنسيات” بمشاركة دول أخرى، على مقاربة ثلاثية الأبعاد: تبدأ بالتنسيق الدبلوماسي مع طهران وعواصم المنطقة، مروراً بتهيئة البنية اللوجستية لحماية السفن، وصولاً إلى نشر قدرات دفاعية وكاسحات ألغام لتأمين المسارات البحرية. واللافت هنا هو الإصرار الأوروبي على إسباغ الطابع “الدفاعي” الصرف على هذه المهمة؛ فعلى النقيض من التحالفات التي تتزعمها واشنطن، لا تسعى هذه القوة للانخراط في صدام مباشر مع طهران، بل تكتفي بالرد حال التعرض لهجوم، مما يشي بأن القارة العجوز تبحث عن صياغة آلية للردع النفسي والدبلوماسي، بعيداً عن صخب الخيارات العسكرية الخشنة.

غير أن رياح الطموح الأوروبي تصطدم بصخرة الواقع الجيوسياسي في مياه الخليج؛ فالعقدة الكبرى تكمن في ارتهان نجاح المبادرة بموافقة إيران، التي تملك فعلياً مفاتيح إفشالها أو إنجاحها. وقد عكست التفاعلات الإيرانية الأولى حساسية مفرطة تجاه أي تواجد عسكري أجنبي في المضيق دون تنسيق معها. يضاف إلى ذلك حزمة من القيود الأوروبية الداخلية، فدول شرق وشمال القارة لا تزال ترى في التهديد الروسي في بحر البلطيق وأوكرانيا أولوية تتقزم أمامها أزمة هرمز، ناهيك عن المزاج العام الأوروبي الذي بات ينفر من المغامرات العسكرية بعد دروس العراق وأفغانستان. وعسكرياً، تفتقر أوروبا للشبكة الدفاعية الواسعة والقدرات العملياتية التي تمتلكها أمريكا لصد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، مما يجعل قدرتها الردعية محل شك كبير.

في القلب من هذا المشهد، تبرز واشنطن كغائب حاضر أو ربما “مانع خفي”؛ فالمبادرة في جوهرها محاولة لكسر الاحتكار الأمريكي لإدارة أمن الخليج واستغلال التخبط في سياسات واشنطن لإبراز عضلات أوروبا الدبلوماسية. لكن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى أحد أهم الممرات المائية في العالم يُدار بعيداً عن هيمنتها. وهنا تبرز المفارقة: أوروبا تتوق للاستقلال، لكنها لا تمتلك أدواته دون مظلة واشنطن التي قد تتدخل إما لاختطاف المبادرة أو تهميشها بضغوط سياسية وأمنية.

في المدى المنظور، تبدو حظوظ هذه المبادرة في النجاح بالغة الضآلة وسط الرفض الإيراني والتوجس الأمريكي. ومع ذلك، يظل لهذا التحرك دلالته الاستراتيجية كمؤشر على سعي أوروبا لحجز مقعد مستقل في النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل. وبالنسبة لطهران، قد تمثل هذه المساحة فرصة لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية من الأوروبيين، وإن كان من المستبعد أن تسمح واشنطن بتمرير هذه اللعبة. في المحصلة، نحن أمام مناورة سياسية أوروبية لإدارة الأزمة وإثبات الوجود، أكثر من كونها تحالفاً عسكرياً قادراً على فرض الأمن أو تحدي الوقائع التي تفرضها طهران على الأرض.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات