سودان تمورو
صحيفة “فايننشال تايمز” تتحدث عن أنّ الحرب الأميركية على إيران بدأت تُحوّل دعم الأحزاب الشعبوية الأوروبية للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى عبء سياسي، مع تصاعد الغضب الشعبي من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة في الغرب.
في ما يلي نصّ المقال منقول إلى العربية بتصرّف:
أُعيد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2024 في ظلّ موجة غضب شعبي واسعة ناجمة عن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة، بعدما خاض حملته بصفته زعيماً معادياً للهجرة ولتيارات “الصحوة”، متعهداً بخفض الأسعار وتشديد الإجراءات الحدودية منذ اليوم الأول. وقد شكّل فوزه دفعة قوية لليمين الشعبوي في الغرب، وأعاد إحياء تيارات قومية متشددة رأت في مشروعه نموذجاً سياسياً قابلاً للتكرار.
وأعلنت أحزاب أوروبية عدّة دعمها العلني لترامب وحركة “ماغا”، من بينها حزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج، وحزب “إخوة إيطاليا” بزعامة جورجيا ميلوني. وفي بدايات عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ساهم هذا الاصطفاف في تعزيز شعبية تلك القوى داخل بلدانها، غير أنّ الحرب الأميركية على إيران بدأت تُحوّل هذا التقارب إلى عبء سياسي يهدّد مستقبلها الانتخابي، إلى جانب قادة سعوا إلى بناء علاقات وثيقة مع الإدارة الأميركية، وفي مقدّمهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
ومنذ عودته إلى السلطة، تبنّى ترامب خطاب “أميركا أولاً” بصورة أكثر حدّة، واتخذ مواقف متشددة تجاه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، كما شدّد سياسات الهجرة ووسّع عمليات الترحيل الجماعي، متباهياً بإجراءات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية. وقد ساهم هذا النهج في ترسيخ صورته لدى مؤيديه بوصفه رئيساً “يواجه النخب” ويتحرك بسرعة لتنفيذ وعوده.
وتشير مجموعات نقاش أميركية، أوردها المقال، إلى أنّ كثيراً من الناخبين رأوا في ترامب شخصية “قوية وصريحة” وقادرة على إحداث تغيير جذري، وهو ما جعل مشروع “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” يتحوّل إلى محور استقطاب سياسي حاد داخل الولايات المتحدة، مع امتداد تأثيره إلى أوروبا.
وفي بريطانيا، تبنّى فاراج خطاباً مشابهاً، متعهداً بتنفيذ حملات مداهمة ضد المهاجرين على غرار ما تقوم به إدارة الهجرة الأميركية، ومعارضاً سياسات المناخ وملفات الهوية الجندرية. كما جعل المحافظون البريطانيون من الهجرة قضية مركزية في خطابهم السياسي، في وقت تصاعدت فيه شعبية حزب “إصلاح المملكة المتحدة” الذي حقق تقدماً ملحوظاً في الانتخابات المحلية الأخيرة.
في المقابل، تحوّل ترامب إلى شخصية شديدة الاستقطاب لدى الناخبين اليساريين والليبراليين، وهو ما انعكس سلباً على ستارمر، خصوصاً بعد تعيينه بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة بهدف تعزيز العلاقات مع البيت الأبيض.
تظهر خلافات داخل حزب العمال البريطاني بشأن طبيعة خطابه السياسي، بحيث فإنّ هناك انتقادات وُجّهت إلى قيادة الحزب بسبب ابتعادها عن أولويات الطبقة العاملة واعتمادها خطاباً انتخابياً حذراً يقلّل الفوارق مع المحافظين، رغم وجود مؤشرات على تأييد شعبي لسياسات أكثر قرباً من أوروبا وللاستثمارات المناخية.
وبحسب استطلاعات رأي تناولها المقال، ارتفعت نسب عدم الرضا عن تعامل ستارمر مع ترامب بشكل كبير خلال العام الماضي، فيما باتت الحرب الأميركية على إيران عاملاً إضافياً في تراجع صورة الرئيس الأميركي وحلفائه، بعدما أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود واستمرار الضغوط التضخمية التي بدأت منذ جائحة كورونا.
كما أظهرت الاستطلاعات أنّ ملف “التضخم وغلاء الأسعار” أصبح الهاجس الأول لدى الناخب الأميركي، متقدماً بفارق واسع على بقية القضايا، فيما تجاوزت المخاوف المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة في بريطانيا قضايا الصحة والهجرة بفارق كبير.
وأشار استطلاع أجراه مختبر السياسات في جامعة لندن قبيل الانتخابات المحلية البريطانية إلى ارتفاع نسبة عدم الرضا عن ستارمر إلى 75%، مقابل 85% بالنسبة لترامب، في وقت اعتبر فيه كثير من الناخبين أنّ تقارب رئيس الوزراء البريطاني مع الإدارة الأميركية ساهم في عزله سياسياً وأثّر في نتائج حزب العمال.
كذلك، أظهرت الاستطلاعات أنّ نحو 60% من ناخبي حزب الإصلاح البريطاني يحملون نظرة سلبية تجاه ترامب، ما دفع فاراج إلى التهرب من الأسئلة المتعلقة بالرئيس الأميركي خلال حملاته الانتخابية، رغم استمرار حزبه في تصدّر المشهد داخل التيار القومي المحافظ.
ما الدروس التي سيستفيد منها اليمين واليسار من الهزائم الساحقة التي مُني بها أوربان وستارمر؟ على اليمين أن يتعلم من إيطاليا، حيث عزز المحافظون مكانتهم بانتقادهم لترامب وتعهدهم بضبط الهجرة والتوافق مع المؤسسات الديمقراطية الرئيسية في الاتحاد الأوروبي. أما اليسار، فعليه أن يفهم سبب انجذاب الكثير من الناخبين إلى أجندة ترامب، وأن يعود مجدداً إلى صفوف أحزاب الطبقة العاملة التي تتبنى مواقف موثوقة بشأن الهجرة.
نقله إلى العربية: الميادين نت
