سودان تمورو
يُعدّ عام 2026 عاماً انتخابياً في “إسرائيل”، بعد استحقاق عام 2022 الذي منح أحزاب اليمين المتطرّف أغلبية في “الكنيست”، وأعاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة على رأس ائتلاف وُصف بأنّه “الأكثر تطرّفاً” في تاريخ الكيان.
ورغم أنّ موعد الانتخابات هذا العام لم يكن بعيداً، إذ كان محدّداً في الـ27 من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2026، فإنّ الأزمات والضغوط السياسية والعسكرية التي تواجه نتنياهو وائتلافه دفعت باتجاه انتخابات مبكرة لـ”كنيست” الاحتلال. فماذا يجري في الداخل الإسرائيلي في ظلّ حرب تشعل “إسرائيل” فتيلها في المنطقة؟
التوافق على حلّ الكنيست يعكس انقساماً حادّاً
صادقت الهيئة العامّة لـ”الكنيست” (الأربعاء في 20 أيار/مايو 2026) على مشروع قانون حلّه بالقراءة التمهيدية، بأغلبية “استثنائية” بلغت 110 أعضاء. بينما لم يحضر نتنياهو، ووزير “الأمن” إسرائيل كاتس، ووزير “الأمن القومي” إيتمار بن غفير، ورئيس حزب “شاس” أرييه درعي جلسة التصويت، بسبب “مناقشات أمنية جرت بالتوازي”، وفق ما ذكرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية.
بعد ذلك فإنّه من المقرّر إحالة مشروع القانون إلى لجنة “الكنيست”، ثمّ يحتاج لاحقاً إلى المصادقة عليه بالقراءات الأولى والثانية والثالثة. وفقط في القراءة الثالثة ستكون هناك حاجة إلى أغلبية لا تقلّ عن 61 عضو “كنيست”. وحتى ذلك الحين، أوضحت “معاريف” أنّه لا يزال بالإمكان وقف العملية سياسياً، لكن بعد تصويت بهذه الأغلبية على القراءة التمهيدية فإنّ “أيّ محاولة كهذه ستصبح أكثر تعقيداً وكلفة بالنسبة لجميع الأطراف”.
وترى صحيفة “معاريف” في التوجّه نحو حلّ “الكنيست” مساراً “تكتيكاً مدروساً” يسعى من خلاله الائتلاف الحكومي إلى التحكّم بخيوط اللعبة الداخلية وإعادة ترتيب التحالفات و”عدم ترك جدول المواعيد بيد المعارضة والأحزاب الحريدية وحدهم (الذين يدفعون تجاه انتخابات مبكرة)”.
وعلى عكس ما قد يُفهم أنّه توافق داخلي في “إسرائيل” نحو قرار حلّ “الكنيست” الـ25، بالاستناد إلى نسبة التصويت، فلا يزال الانقسام حتى داخل الائتلاف الحكومي نفسه بشأن موعد الانتخابات.
وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فإنّ “الكنيست” سيشهدُ مسارين متوازيين: الأول يتضمّن الدفع قدماً بحلّ “الكنيست” وتقديم موعد الانتخابات، والثاني يشهد محاولات كبحٍ يقودها نتنياهو مع فئة “الحريديم” سعياً منهُ لإعادةِ تمرير قانون “الإعفاء من التجنيد” وتالياً لمنع حلّ “الكنيست”، وكذلك “الحفاظ على كتلته الائتلافية موحّدةً قبيل الانتخابات المقبلة”.
وكلّ ذلك يحدث في وقت تواجه فيه “إسرائيل” حرباً متعدّدة الجبهات. وهي حرب لم تتحوّل أيّ من ساحاتها، ولا سيما إيران ولبنان، إلى مسرح لتحقيق طموحات نتنياهو، بل إنّ تداعياتها وخسائرها الاستراتيجية أسهمت في تعقيد المشهد السياسي الداخلي الإسرائيلي.
أزمة التجنيد تفجّر الائتلاف و”الكنيست”
في قلب هذا المشهد السياسي المعقّد، يبرز ملف تجنيد “الحريديم” في “جيش” الاحتلال والجدال العميق بين مؤيّد ومعارض داخل الفئات المكوّنة لـ”مجتمع” الاحتلال، كأحد أبرز عوامل الضغط التي تدفع الائتلاف الحكومي نحو مزيد من الانقسام وتقرّب سيناريو حلّ “الكنيست”.
وأظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة “معاريف” أنّ نحو 49% من الإسرائيليين يعارضون قانون “التجنيد” الذي تحاول الحكومة المضي قدماً في تشريعه، وفي المقابل، يحظى هذا القانون بتأييد 30% فقط. وشارك في هذا الاستطلاع، الذي أُجري يومي 19 و20 مايو/أيارالجاري، 500 مستطلع، يشكّلون عيّنة ممثّلة للسكان البالغين في “إسرائيل” من سن 18 عاماً فما فوق.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الانقسام الداخلي بشأن القضية، ولا سيما أنّ أزمة تجنيد “الحريديم” تكتسب زخماً أكبر في المرحلة الراهنة، رغم كونها أزمة اجتماعية – سياسية عميقة داخل “إسرائيل”. ويعود ذلك إلى أنّها تأتي مع تداعيات الحرب التي يشنّها “الجيش” الإسرائيلي والذي يعاني من استنزاف بشريّ مع استمرار الحرب منذ عام 2023.
اقرأ أيضاً: تمرّد الحريديم على نتنياهو: خطوة مرحلية لا طلاق سياسي
وفي هذا السياق، حذّرت وكالة “أسوشييتد برس” من أنّ عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى الذي نفّذته المقاومة الفلسطينية في غزة)، والحروب التي تلت ذلك تلقي بظلالها على الائتلاف الحكومي وعلى نتنياهو.
وأضافت الوكالة أنّه في ظلّ نحو 3 سنوات من “القتال النشط” في عدّة جبهات حيث شاركت قوات الاحتياط في “الجيش” الإسرائيلي، فقد “سئم العديد من الإسرائيليين من نظام قائم منذ زمن طويل يسمح للرجال المتديّنين المتشدّدين بالتهرّب من الخدمة العسكرية”، وقد امتد هذا الغضب إلى قاعدة نتنياهو الشعبية.
وفي المقابل، يشعر الإسرائيليون المتشدّدون بغضب متزايد إزاء فشل نتنياهو في الحفاظ على استثناءاتهم المتعلّقة بالتجنيد. وقد سحبوا دعمهم للائتلاف قبل أسبوعين، ما أدّى إلى تصويت مبدئي على حلّ “الكنيست”. كذلك، انسحب حزبان حريديان رئيسيان من الحكومة مطلع الشهر الجاري، بعدما أبلغهم نتنياهو بعدم قدرته على تمرير قانون “الإعفاء من التجنيد”، ما أدّى إلى ترك الائتلاف من دون أغلبية في “الكنيست” وهو أحد الأسباب الرئيسية لمشروع قانون حلّه.
الحرب على إيران ولبنان: تسريع مسار الانفجار الداخلي
إذا كانت أزمة تجنيد “الحريديم” قد كشفت جانباً من التصدّعات الداخلية المرتبطة بالاستنزاف العسكري، فإنّ مسار الحرب نفسها ونتائجها على جبهتي إيران ولبنان شكّل عاملاً موازياً ومتداخلاً سرّع تفجّر هذه الأزمات ودفع المشهد السياسي الإسرائيلي نحو احتمالات انتخابات مبكرة.
وهنا، أكد موقع “تشاتام هاوس”، المعهد الملكي للشؤون الدولية ومقره لندن، تزايد الاستياء لدى الإسرائيليين من عجز الحكومة نتنياهو عن تحديد أو تحقيق نهاية حاسمة للحرب، ففي إيران لم تؤدِّ الضربات إلى إسقاط النظام، وفي لبنان لا يزال سكان مستوطنات شمالي فلسطين المحتلة تحت نيران حزب الله. ما أدّى إلى عجز الائتلاف عن استغلال الحرب لكسب المزيد من التأييد مع فقدان ثقة الجمهور به وبقدرته على إدارة الحرب.
وانعكست هذه المعطيات على حسابات نتنياهو السياسية. إذ ذكرت وكالة “رويترز” أنّ نتنياهو حاول تجنّب انتخابات مبكرة لأنّ الحرب على إيران “لم تعزّز شعبيته بما يكفي” في استطلاعات الرأي، رغم أنّ بعض المقرّبين منه اعتقدوا في البداية أنّ الضربة الأولى ضد إيران قد تمنحه زخماً انتخابياً.
وفي ظلّ خسارة رهان نتنياهو على الحرب لتحقيق مكاسب سياسية، وجدت المعارضة في “إسرئيل” مساحة أوسع لتصعيد هجومها ضدّ الحكومة الحالية، مركّزةً في انتقاداتها ليس فقط على نتائج الحروب إنما أيضاً على طريقة إدارتها.
وفي الخطاب السياسي والإعلامي للمسوؤلين في المعارضة الإسرائيلية برزت الاتهامات ضدّ نتنياهو بأنه يطيل أمد الحرب لأسباب سياسية وللحفاظ على بقائه، كما جرى اتهامه بأنّه يفتقد إلى استراتيجية للخروج من الحرب. الأمر الذي عزّز الدعوات إلى تغيير المستوى السياسي عبر “كنيست” جديد وحكومة جديدة.
في ضوء أزمة تجنيد “الحريديم”، والانقسامات التي عمّقتها الحرب، وتراجع الثقة بأداء الحكومة في إدارة الحرب، يجد نتنياهو نفسه أمام مشهد سياسي معقّد. فالرجل الذي أخفق في تضييق الهوة بين مكوّنات “المجتمع” الإسرائيلي بشأن ملف التجنيد، ولم ينجح في تحويل الحرب إلى رصيد سياسي أو انتخابي، يدرك أنّ أيّ انتخابات مقبلة لن تحمل نتائج مضمونة بالنسبة إليه وإلى مستقبله السياسي، في ظلّ “شبح” المحاكمات التي يواصل تأجيلها بذريعة الظروف الأمنية.
وفي هذا السياق، تظهر مخاوف نتنياهو في حساباته “اليوم التالي” للانتخابات. فقد سلّط موقع “NPR” الأميركي الضوء على تركيز نتنياهو خلال الفترة الأخيرة نحو تثبيت شخصيات مقرّبة منه في مواقع ومناصب مؤثّرة. وهو ما يعكس أنّ الصراع داخل “إسرائيل” لم يعد يقتصر على موعد الانتخابات أو شكل الائتلاف المقبل، بل يمتدّ أيضاً إلى معركة مبكرة على النفوذ وترتيب موازين القوى.
