السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأي لماذا قررت واشنطن حرق ورقة أحمدي نجاد؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

 لماذا قررت واشنطن حرق ورقة أحمدي نجاد؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو:

في لحظة نادرة من الكشف غير المقصود، أماطت التسريبات التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية اللثام عن لعبة استخباراتية قديمة قدم الصراع نفسه؛ ألا وهي لعبة “حرق الأسماء”. فالحديث عن دور محتمل للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد في سيناريو أمريكي-إسرائيلي لتغيير النظام في طهران، لم يكن مجرد تقرير صحفي عابر أو ثمرة عمل استقصائي بريء، بل هو في جوهره عملية إعدام سياسي ممنهجة لرجل لا يزال يحظى بشعبية جماهيرية واسعة داخل بلاده، ولا سيما في الأوساط التي لا تثق بالغرب وترفض أي بديل يأتي على ظهر دبابة أمريكية.

من يعرف سيرة أحمدي نجاد السياسية يدرك يقيناً أن هذا الطرح يحمل تناقضاً صارخاً ينسف مصداقيته من الأساس. فقد كان الرجل طوال فترتيه الرئاسيتين من أشد الرؤساء الإيرانيين تشدداً في مواجهة الغرب، ومن أكثرهم رفضاً للهيمنة الأمريكية، وأعلاهم صوتاً في الدفاع عن البرنامج النووي الإيراني كحق سيادي لا يقبل المساومة. فكيف يمكن لرئيس تحدى الغرب من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بلغة لم يجرؤ غيره على استخدامها، ورفض كل محاولات الإغراء والترهيب، أن يتحول فجأة إلى خيار توافقي تتفق معه واشنطن وتل أبيب للإطاحة بالنظام ليكون هو البديل؟ الإجابة ببساطة هي أن هذا مستحيل، وهو ما يجعل التسريب مريباً في توقيته وأهدافه.

إن الغرض الحقيقي من وراء هذه التسريبات ليس الكشف عن مؤامرة حقيقية، بل هو محاولة أمريكية واضحة لحرق أحمدي نجاد سياسياً أمام الشارع الإيراني، وتدمير أي فرصة محتملة لعودته إلى المشهد أو تقلد أي منصب مستقبلاً. فالرجل يمثل في أذهان شريحة واسعة من الإيرانيين رمزاً ممانعاً، وربط اسمه بمخطط أمريكي، حتى وإن كان زائفاً ومفتقراً لأبسط قواعد المنطق السياسي، يكفي لتشويه صورته أمام قاعدته الشعبية، وزرع الشك في نفوس مؤيديه، وإخراجه تماماً من دائرة الأشخاص المقبولين محلياً. وهي استراتيجية كلاسيكية طالما استخدمتها الاستخبارات الأمريكية لتسريب معلومات مفبركة لتحييد الشخصيات المعقدة قبل أن تصبح تهديداً فعلياً.

وعلى الجانب الآخر، أحدثت هذه التسريبات زوبعة من الغضب الهستيري في أوساط قوى المعارضة الإيرانية الراديكالية في الخارج، وتحديداً أنصار رضا بهلوي، الذين سارعوا إلى التخوين والشيطنة بدلاً من القراءة العقلانية. لقد أدرك هؤلاء أن مجرد طرح أسماء أخرى في دوائر صناع القرار في واشنطن يعني سقوط وهم “البديل الحصري” الذي يروجون له. وبدلاً من إدراك هشاشة مشروعهم الذي يعتمد كلياً على التدخل الخارجي، ابتلعوا ألسنتهم أمام المخططات الحقيقية التي تتحدث عن دعم جماعات مسلحة لتمزيق الداخل الإيراني.

في نهاية المطاف، سواء عاد أحمدي نجاد إلى المشهد السياسي أم لا، فإن هذه التسريبات كشفت حقيقة أعمق؛ وهي أن واشنطن وحلفاءها لا يملكون بدائل حقيقية ومقنعة في الداخل الإيراني. وما هذه المناورات الإعلامية إلا محاولة يائسة لحرق الأوراق قبل أن تُلعب، وتشويه الرموز لضمان ألا يفرز الداخل الإيراني أي خيار لا يخضع للوصاية الخارجية، وهو في حد ذاته اعتراف ضمني بضيق الخيارات وعجز أدوات التغيير المفروضة من الخارج.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات