السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيإسرائيل ونووي إيران!.. بقلم أحمد حسن

إسرائيل ونووي إيران!.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو:

منذ أن تحول البرنامج النووي الإيراني إلى شبح يطارد نوم الاستخبارات الغربية، تحولت مادة اليورانيوم المخصب إلى “ذهب القوة” الذي يفتش عنه الجميع. ليس سراً أن واشنطن وتل أبيب وضعتا نصب أعينهما هدفاً لا لبس فيه: إخراج كل ذرة يورانيوم مخصب من الأراضي الإيرانية. ترامب ونتنياهو لم يدخرا مناسبة إلا وكررا الجملة ذاتها، بصيغة التهديد حينا وبصيغة الوعد حينا آخر: “اليورانيوم سيخرج، باتفاق أو بغيره”.

ما لم يقله الجنرالات صراحة، بدأ يتسرب من شاشات التلفزة الإسرائيلية على استحياء. حديث شيمون ريكلين، المحلل الأمني في القناة 14 العبرية، لم يكن مجرد تكهنات مرسلة حين كشف عن مناورات سرية تجريها وحدات الكوماندوز الإسرائيلية تحاكي اختراق منشآت أصفهان النووية. الصورة التي يرسمها هذا السيناريو أقرب إلى فيلم هوليوودي منها إلى عملية عسكرية واقعية: مروحيات تحط في قلب الصحراء الإيرانية، وقوات خاصة تقتحم مخازن محصنة تحت الأرض، وشاحنات ثقيلة تبتلع أسطوانات الغاز القاتل قبل أن تختفي في العتمة. لكن الهزيمة الأمريكية المذلة في جنوب أصفهان قبل أسابيع، حيث تحطمت طائرات متطورة وتحولت مهمة سرية إلى فضيحة مدوية، تقف شاهداً على هشاشة الحلم.

المشكلة ليست فقط في اختراق الدفاعات الإيرانية، رغم تعقيدها. المشكلة الحقيقية تكمن في فيزياء المادة ذاتها. رافائيل غروسي، الرجل الذي يعرف خبايا البرنامج النووي الإيراني أكثر من أي مسؤول غربي آخر، يضع يده على المأزق التقني بعبارة تقطع الشك باليقين: اليورانيوم المخصب ليس سبائك صلبة يمكن رصها في حقائب، بل هو غاز سام محتجز في أسطوانات خاصة، نقله يحتاج إلى قافلة لوجستية ضخمة، وحمايته من التسرب أو الانفجار تتطلب ظروفاً مستحيلة التحقيق في عملية كوماندوز سريعة. أي رصاصة طائشة تخترق سانتریفیوجاً، وأي انفجار غير محسوب، قد يحول العملية برمتها إلى كارثة بيئية لا تبقي ولا تذر، تمطر المنطقة بأسرها بغبار إشعاعي لا يميز بين صديق وعدو.

وسط هذه المعضلة، يقف صانع القرار في تل أبيب وواشنطن على حافة التردد. الخوف ليس فقط من الفشل العملياتي، بل من أسره. صورة جنود أمريكيين أو إسرائيليين في قبضة الحرس الثوري، يعرضون على شاشات التلفزة الإيرانية، كفيلة بتحويل المهمة الأكثر جرأة إلى هزيمة استراتيجية ساحقة. وهناك شبح الرد الإيراني الذي قد لا يتوقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، بل يمتد ليطال مفاعل ديمونة أو منشآت حليفة في الخليج، في معادلة انتقام لا تخلو من جنون.

لكن التاريخ يعلمنا أن إسرائيل، حين تفشل في تحقيق أهدافها بالغارات العلنية، تلجأ إلى حروب الظل التي تتقنها. إذا تعذرت سرقة الشمس، فسيحاولون إطفاءها بوسائل أخرى. اغتيالات العلماء على الطرقات، وفيروسات الكمبيوتر التي تأكل سانتریفیوجات نطنز من الداخل، ومخربون يتسللون في الليل لتخريب أنابيب التغذية، وحملات سيبرانية تشل أنظمة التحكم… هذه هي الترسانة الحقيقية التي ستُستخدم على الأرجح. إنها حرب الاستنزاف الصامتة التي أثبتت فعاليتها مراراً، من “ستاكسنت” إلى شوارع طهران الهادئة التي ابتلعت محسن فخري زاده.

في المحصلة، تبدو فكرة “سرقة اليورانيوم” بعملية هليكوبتر أقرب إلى الورقة الضاغطة في لعبة البوكر الدبلوماسية منها إلى خطة عسكرية جاهزة للتنفيذ. إسرائيل تسرب أخبار التدريبات، ونتنياهو يلوح بالخيار العسكري، في محاولة لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات وهي تحسب أن البديل هو الإذلال العسكري. لكن الحقيقة المرة التي تدركها غرف العمليات أن اليورانيوم الإيراني ليس مجرد مادة يمكن خطفها في غفلة من الدهر، بل هو جوهر الأمن القومي لطهران، وقد دفع الإيرانيون ثمناً غالياً من الدم والعزلة والتضخم للوصول إليه. من يظن أنهم سيسلمونه طواعية، أو أن سرقته ممكنة دون إشعال حرب لا تبقي ولا تذر، فهو واهم. الخيارات الحقيقية محصورة بين أمرين: صفقة كبرى تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، أو حرب طويلة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات