خاص سودان تمورو
إقالة السعودية المفاجئة لسفيرها لدى الخرطوم علي بن حسن جعفر بعد ساعات من تسريبات منسوبة لجهات منشقة عن قوات الدعم السريع، تفتح الباب لنقاش أوسع عن طبيعة الدور السعودي في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
إذا صحت الاتهامات بأن الرياض تمتلك دوراً سرياً في تأجيج الصراع، فهذا يضعها في موقع الخصم بدل الوسيط، ويغيّر قراءة الأحداث بالكامل.
من الوساطة إلى الاتهام بالتحيّز العسكري
السعودية قدمت نفسها منذ اليوم الأول كراعٍ للمفاوضات عبر منبر جدة، واستضافت جولات تفاوض بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. لكن الاتهام الجوهري في التسريبات هو أن هذا الدور كان واجهة، بينما يتم على الأرض دعم أحد الأطراف بالمال واللوجستيات والغطاء السياسي.
لو ثبت ذلك، فالنتيجة المباشرة هي:
– فقدان الثقة في أي وساطة سعودية مستقبلاً، لأن الوسيط لا يمكن أن يكون خصماً في نفس الوقت.
– تعقيد جهود وقف إطلاق النار، حيث يصبح أي اتفاق مشكوكاً في دوافعه.
تأجيج الاستقطاب الإقليمي داخل السودان
السودان ليس ساحة مغلقة. أي تدخل خارجي يتحول بسرعة إلى استقطاب داخلي. الدور السعودي المتهم، بحسب التسريبات، يُقرأ في الخرطوم كجزء من صراع أوسع بين محاور إقليمية على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
الانعكاس على الداخل السوداني:
– تحويل الحرب من صراع على السلطة إلى معركة بالوكالة، مما يطيل أمدها ويجعل الحل السياسي أصعب.
– تعميق الانقسامات المجتمعية، حيث تُختزل مواقف القبائل والمناطق في اصطفافات خارجية.
الأثر على العلاقات الثنائية والمصداقية
إقالة السفير بهذه السرعة دون بيان رسمي سعودي يفسر الأسباب، تُفهم كإشارة إلى أن التسريبات أصابت نقطة حساسة. لو كان الدور سلبياً فعلاً، فالخسارة الأكبر هى الرصيد التاريخي للعلاقات السودانية السعودية.
الآثار المتوقعة:
– تراجع النفوذ الناعم السعودي في السودان، والذي بُني على الدعم الإنساني والاستثمارات والعامل الديني.
– فتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ، مما يقلل من وزن الرياض في ملف البحر الأحمر الاستراتيجي.
– وضع الجالية السودانية الكبيرة في السعودية في موقف حرج، بين انتمائها الوطني والعلاقات الرسمية المتوترة.
. لماذا يعتبر هذا الدور “سالباً” إذا صح
المعيار هنا هو نتيجة التدخل على معاناة المدنيين السودانيين. حرب الخرطوم ودارفور وكردفان خلفت أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ ومجاعة تهدد ملايين الأشخاص حسب بيانات الأمم المتحدة لعام 2025. أي تدخل خارجي يطيل أمد القتال أو يمنع توحيد الموقف الداخلي يعتبر، من منظور إنساني، عامل هدم.
– سياسياً: يمنع تشكل سلطة مدنية موحدة قادرة على التفاوض.
اقتصادياً: يدمر ما تبقى من البنية التحتية ويعطّل مشاريع إعادة الإعمار التي تحتاجها السعودية نفسها لو أرادت الاستثمار.
أمنياً: يحوّل السودان إلى بؤرة عدم استقرار تهدد أمن البحر الأحمر، وهو خط أحمر للرياض.
الخلاصة
إذا صحت التسريبات، فالمشكلة ليست في وجود مصالح سعودية في السودان، فهذا طبيعي لأي دولة جارة. المشكلة في تحويل هذه المصالح إلى تدخل يغذي الحرب بدل إطفائها. الإقالة السريعة للسفير قد تكون محاولة لاحتواء الأزمة، لكنها لن تمحو الأسئلة عن الدور الحقي.
المسار الوحيد لاستعادة المصداقية هو الخروج من منطقة الرمادي: إما وساطة شفافة ومحايدة معلنة للجميع، أو انسحاب كامل وترك السودانيين يحلون أزمتهم دون وصاية.
