السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيدبلوماسية حافة الهاوية!.. بقلم نزار أحمد

دبلوماسية حافة الهاوية!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

تشهد هذه الأيام حراكاً دبلوماسياً باكستانياً مكثفاً ومكوكياً على خط الأزمة بين طهران وواشنطن؛ ففي أقل من أسبوع، حط وزير الداخلية الباكستاني رحاله في العاصمة الإيرانية يوم الأربعاء، وبينما لا يزال متواجداً هناك، من المقرر أن يصل قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، اليوم إلى طهران لإجراء مباحثات ومفاوضات مفصلية مع كبار المسؤولين الإيرانيين.

ويتزامن هذا الزخم اللافت مع أحاديث تتداولها بعض وسائل الإعلام الإقليمية عن احتمال التوصل إلى اتفاق وشيك، بل وذهبت بعضها إلى حد نشر نصوص مزعومة لمسوداته، في حين أوردت وكالة رويترز للأنباء اليوم خبراً يفيد بزيارة مرتقبة لوفد قطري ليدخل على خط الوساطة.

وقد أضفى تزامن هذه التحركات الدبلوماسية مع التصريحات التي أدلى بها دونالد ترامب يوم الإثنين الماضي حول “إرجاء” عمل عسكري جديد ضد إيران، مسحة من التفاؤل، وعزز من التكهنات التي تشير إلى أن المفاوضات قد آتت أكلها وأن ثمة اتفاقاً يلوح في الأفق.

بيد أن القراءة المتأنية للواقع الميداني تشي بخلاف ذلك؛ فبالرغم من أن هذه الأخبار والزيارات الدبلوماسية المتبادلة تبدو في ظاهرها مبشرة وتبعث على الأمل، إلا أنها لا تعني بالضرورة أن الاتفاق بات في متناول اليد، أو أن تحولاً جذرياً قد طرأ على مسار التفاوض.

ولعل النقطة التي تستوجب التوقف والتأمل في مسار هذه الوساطات، تكمن في أن الوجهة الغالبة للاتصالات والرحلات الدبلوماسية هي طهران، في حين تندر مثل هذه الزيارات إلى واشنطن. وفي واقع الأمر، يمكن تفسير هذه المفارقة برغبة الوسطاء، لأسباب شتى، في تجنب ممارسة أي ضغوط على الجانب الأمريكي، إذ يبدو جلياً أنهم يسعون في المقام الأول إلى إحداث نوع من المرونة وتعديل المواقف والمطالب الإيرانية لتعبيد الطريق أمام أي اتفاق محتمل.

ومن زاوية أخرى، لا ينبغي أن نغفل عن حقيقة أن جزءاً من دوافع هؤلاء الفاعلين للانخراط في جهود الوساطة -علاوة على التوجس الحقيقي من تفاقم حدة التوترات الإقليمية- ينبع من رغبتهم الذاتية في بناء جسور تعزز من مكانتهم وترتقي بدورهم الإقليمي في الشرق الأوسط.

وفي ضوء هذه المعطيات والمشهد الراهن، يبدو التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي أمراً مستبعداً، غير أن إبرام اتفاق أولي أو إطار عمل مبدئي ليس بالأمر المستحيل، وهو اتفاق قد يعقبه -في غضون ثلاثين يوماً- انطلاق جولة مفاوضات شاقة حول الملفات الأكثر تعقيداً وإثارة للخلاف.

ومع ذلك، لا تزال احتمالات استئناف المواجهات العسكرية ترجح كفة التوصل إلى تسوية شاملة. وبالاستناد إلى تجربة حربين سابقتين، يمكن القول إن هذا الحجم الكثيف من التحركات الدبلوماسية، وقبل أن يُتخذ كدليل قاطع على انفراجة حقيقية، قد يكون في جوهره مقدمة ودبلوماسية استباقية لاندلاع صراع عسكري جديد.

أما تصريحات ترامب الأخيرة بشأن إرجاء الضربة العسكرية، فهي لا تعني بأي حال من الأحوال “التراجع عن الهجوم” كما يخيل للبعض، بل هي مناورة مدروسة وخطوة هادفة تحركها دوافع تكتيكية واستراتيجية متعددة.

وفي نهاية المطاف، لا يسعنا الآن سوى الترقب والانتظار لنرى ما إذا كان قائد الجيش الباكستاني سيحمل في جعبته خلال هذه الزيارة رسالة حاسمة تذلل العقبات أمام اتفاق أولي، أم أن ما نشهده ليس سوى دبلوماسية اللحظات الأخيرة التي تسبق الانزلاق نحو جولة جديدة من صراع لا تزال فصوله تتوالى.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات