سودان تمورو:
ممثل المعهد الأمريكي لمكافحة الفساد في الشرق الأوسط لـ«التيار»:
حصلت على تعهدات من مؤسسات دولية لتدريب الصحفيين الاستقصائيين في مكافحة الفساد لحماية أنفسهم
حينها سيجد المتنفذون الفاسدون أنفسهم أمام ترسانة إعلامية مدربة ومحمية بالقوانين السودانية والدولية
نحذر الصحفيين من أن يصبحوا أدوات في تصفية الحسابات داخل مراكز النفوذ بالمنظومة الحاكمة.
قانون المعلوماتية فتح الباب لملاحقة الصحفيين جنائيًا خارج مظلة قانون الصحافة، وساوى بين الصحفي والمستخدم العادي لوسائل التواصل الاجتماعي.
حوار: قسم الشؤون السياسية
قال ممثل المعهد الأمريكي لمكافحة الفساد في منطقة الشرق الأوسط، والباحث في منظمة الشفافية الدولية، المستشار عبد النبي شاهين، إن المنظمات الدولية المختصة بمتابعة قضايا الشفافية ومكافحة الفساد في العالم ترصد، عبر وسائل الإعلام السودانية ومن خلال تفعيل بعض مؤشرات القياس، الحجم الكارثي للفساد المالي والإداري في السودان، إضافة إلى ما يتعرض له الصحفيون الناشطون في كشف ملفات الفساد من تضييق وملاحقات قانونية عبر قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018، والذي أُدخلت عليه تعديلات جديدة ومشددة مؤخرًا في تعديل 2020م.
وقال، في حوار أجرته معه «التيار»، إن هذه المؤسسات الدولية تابعت عبر وسائل الإعلام السودانية ملف القضية التي حُكم بموجبها على الصحفية والناشطة في مكافحة الفساد الأستاذة رشان أوشي بالسجن والغرامة المالية، معبرًا عن أسفه لما تعرضت له إحدى أقوى الصحفيات المناهضات للفساد في السودان، مشيرًا إلى أن محاكمة الصحفيين في قضايا النشر المتعلقة بالفساد بأحكام جنائية، مثل السجن، يزيد من تدهور ترتيب السودان ضمن أكثر الدول فسادًا في العالم، مما حرمه من الكثير من المساعدات الدولية التي تحتاج إليها البلاد.
وأوضح المستشار شاهين أنه، بعد أن سمع وقرأ عن حادثة سجن الصحفية والناشطة في مكافحة الفساد رشان أوشي، أجرى اتصالات مع عدد من المؤسسات الدولية المتخصصة في مكافحة الفساد في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والنمسا والنرويج، لتنظيم دورات تدريبية معمقة في الخرطوم لكل من يرغب من الصحفيين السودانيين العاملين في الصحافة الاستقصائية المتعلقة بمكافحة الفساد، بهدف حماية أنفسهم، لأنهم عين المواطن والمؤسسات العدلية في كشف ملفات الفساد، إضافة إلى تدريبهم على استخدام الوسائل التقليدية المعروفة، كالتسجيل الصوتي والحفظ المستندي.
وقال إنه تلقى تعهدات من بعض هذه المؤسسات بعمل التنسيق اللازم لعقد دورات تدريبية متخصصة بعد استقرار الأوضاع في السودان، معربًا عن أسفه لأن الصحفية المذكورة، رغم كفاءتها المهنية العالية وشجاعتها التي انتزعت إعجاب العديد من المؤسسات الدولية، إلا أنها ــ بحسب رأيه ــ لم تكن مدربة قانونيًا لحماية نفسها، ولم تتبع أبسط الوسائل المعروفة لحماية نفسها، مما أوقعها في أخطاء قاتلة، أو ربما تعرضت لنصب فخ قانوني لها من خلال من كانت تثق بهم لتزويدها بالمستندات أو الشهود، ولم يتم لها ذلك عمدًا.
وأضاف: «لكنها، في نهاية المطاف، أخطأت ولم تتمكن من إثبات ادعاءاتها، وتمت إدانتها وإنفاذ الحكم عليها، فليس هناك شخص فوق القانون، وإن كان الواقع في السودان حاليًا غير ذلك، إذ إنه رغم تفشي الفساد لدرجة أنه أصبح يمشي على الأرض بين الناس في وضح النهار، فإن المحاكمات فيه شبه معدومة أو قليلة إلى حد العدم. والأسوأ من ذلك أن قادة المليشيا التي قتلت الآلاف واغتصبت الحرائر ونهبت ودمرت لم يُقدَّموا إلى العدالة، مما استفز مشاعر الشعب السوداني».
وقال إن خصم الصحفية رشان أوشي في المحكمة، وهو ضابط بالشرطة، قد حصل على حقه بالقانون وتمكن من رد اعتباره ومكانته أمام عامة الشعب السوداني، وهذا حقه وهو عين العدالة التي ينشدها الجميع، غير أن المعضلة تكمن في عدم دستورية وعدالة القانون الذي حوكمت به الصحفية المذكورة، وهو قانون يعرض أي شخص تتم إدانته في جريمة معلوماتية للسجن والغرامة معًا، دون أن يمنح القاضي أي خيار آخر سوى توقيع العقوبتين معًا، وبالتالي فهو ــ بحسب وصفه ــ قانون معيب وظالم.
وأوضح المستشار شاهين أن عدم دستورية هذا القانون، الذي تم تعديله بإضافة مواد مشددة وقاسية جدًا، يعود إلى أن ذلك تم من دون وجود مجلس تشريعي تُعرض عليه القوانين لقراءتها في عدة مراحل، وإحالتها إلى لجان متخصصة لدراستها، ثم طرحها أمام البرلمان لمناقشتها أو تعديلها أو إجازتها ونشرها في الجريدة الرسمية، مما يجعل هذا القانون معيبًا، كونه عُدّل وأُجيز من السلطة التنفيذية وحدها، التي أصبحت ــ بحسب قوله ــ الخصم والحكم والجلاد بموجب هذا القانون. وتساءل: «لماذا لم نسمع بإدانة المسؤولين الذين يهملون أداء واجبهم الوظيفي أو الغارقين في الفساد؟».
شاهين يبحث تدريب الصحفيين السودانيين مع عميد الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد في النمسا مارتن كرويتنر
وشدد على أنه ينبغي تحويل قضايا النشر الصحفي إلى نزاعات مدنية بدلًا من استخدام السجن والعقوبات الجنائية ضد الصحفيين، موضحًا أنه لا يقصد بذلك جرائم القذف والاتهام الكاذب بلا دليل، لأنها تُعد جرائم جنائية وتصنف ضمن الجرائم الماسة بالسمعة والعِرض، وإنما يقصد قضايا كشف الفساد. وأشار إلى أن حماية الصحفيين في السودان لا يمكن أن تتحقق عبر القوانين وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل إجراء إصلاحات قانونية تحد من تغول الأجهزة الأمنية، وبناء منظومة قضائية مستقلة، وتأسيس نقابة مهنية قوية، وربط مكافحة الفساد بحقوق الإنسان وسيادة القانون. واعتبر أنه في ظل الحكم العسكري تصبح الصحافة الحرة ليست فقط أداة لكشف الفساد، بل أحد آخر خطوط الدفاع عن المجتمع والدولة نفسها.
وردًا على سؤال حول استخدام الصحفيين أحيانًا في تصفية الحسابات بين المتنفذين، لفت المستشار شاهين إلى أنه، بحسب عمليات الرصد والمتابعات التي قاموا بها، فمنذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023م في السودان تحول بعض الصحفيين ــ للأسف، ومن دون الإشارة إلى أسماء محددة ــ إلى أدوات تُستخدم في تصفية الحسابات داخل مراكز النفوذ بالمنظومة الحاكمة، عبر تسريب أو توظيف ملفات الفساد بصورة انتقائية تخدم أطرافًا بعينها على حساب أخرى. وقال إن ذلك يكشف أن كثيرًا من الصراعات الداخلية لم تعد تُدار عبر المؤسسات الرسمية، وإنما عبر المنصات الإعلامية والفضاءات الرقمية، في توظيف خطير للإعلام بعيدًا عن رسالته الأساسية في كشف الحقائق وخدمة الرأي العام.
وشدد على أن نشر ملفات الفساد يجب أن يستند إلى المهنية والالتزام بحق المجتمع في المعرفة، لا أن يتحول إلى وسيلة للابتزاز السياسي أو تصفية الخصومات داخل السلطة. وأضاف: «حين يُستخدم الصحفي كأداة ضمن معارك النفوذ، تتآكل استقلالية المهنة وتفقد الصحافة دورها الرقابي والأخلاقي، بما يتعارض بصورة واضحة مع ميثاق الشرف الصحفي وأسس العمل الإعلامي القائم على النزاهة والحياد والدقة».
وقال ممثل المعهد الأمريكي لمكافحة الفساد إن الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي وقعت فيه الصحفية الشجاعة رشان أوشي هو أنها خاضت معركة دون أن تمتلك أوراق ضغط حقيقية تجعل من فكرة الاقتراب منها أو اعتقالها خطرًا داهمًا وانتحارًا سياسيًا لخصومها، وهو ما ربما مكّن خصومها من استغلال تلك الثغرة للإيقاع بها.
الزميلة رشان اوشي
وأضاف: «لكن بعد أن نقوم بتدريب الصحفيين والناشطين في مكافحة الفساد في السودان على العمل وفق مسارات قانونية محددة، وبإسناد فني منسق من المؤسسات الدولية المتخصصة، فإن كل المتنفذين الذين يعتقدون أنهم محصنون بمناصبهم الحالية، من جنرالات الجيش أو الأمن إلى قادة الحركات المسلحة وصولًا إلى كبار القيادات المدنية في الدولة، سيجدون أنفسهم أمام ترسانة إعلامية مدربة ومحمية بالقوانين السودانية والدولية».
وتابع: «وكما قالت الكاتبة د. أميرة كرار، لن يجرؤ أحد منهم على عتبة المحاكم أو التلويح بالقانون، لأن الفضيحة المجتمعية والأخلاقية ستسبق أي إجراء قانوني، وسيكون ثمن المواجهة هو اقتلاعهم من مناصبهم وتحطيم قاعدتهم الجماهيرية بالكامل وبلا رجعة».
وفي سياق متصل، حذر المستشار شاهين من التداخل المتزايد بين قانون الصحافة والمطبوعات وقانون جرائم المعلوماتية، الذي تجلى منذ اندلاع الحرب، معتبرًا أن هذا التداخل أضعف الضمانات القانونية التي يفترض أن يتمتع بها الصحفي أثناء ممارسته لعمله المهني. وقال إن قانون الصحافة والمطبوعات شُرّع أساسًا لتنظيم العمل الصحفي وحماية حرية التعبير والنشر، كما منح الصحفيين معاملة قانونية خاصة تراعي طبيعة المهنة، وحدد آليات المساءلة المهنية عبر المؤسسات المختصة، مع الاتجاه إلى الحد من العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.
وأضاف أن السلطات، خلال فترة الحرب، اتجهت بصورة متزايدة إلى استخدام قانون جرائم المعلوماتية في مواجهة الصحفيين والناشطين وصناع المحتوى، رغم أن هذا القانون أُنشئ في الأصل لمكافحة الجرائم الإلكترونية والاختراقات التقنية والاعتداءات على الأنظمة المعلوماتية، وليس لتنظيم العمل الصحفي أو معالجة قضايا النشر والتعبير.
وحول رأيه في قانون المعلوماتية، قال شاهين إن هذا القانون فاقد للشرعية الدستورية لأنه عُدّل في غياب البرلمان، كما أنه يتضمن نصوصًا فضفاضة وقابلة للتأويل تتعلق بنشر المعلومات والمحتوى الإلكتروني، مع عقوبات مشددة قد تصل إلى السجن والغرامات الكبيرة، الأمر الذي فتح الباب أمام ملاحقة الصحفيين جنائيًا خارج المظلة التي يوفرها قانون الصحافة والمطبوعات، وأدى عمليًا إلى مساواة الصحفي بالمستخدم العادي لوسائل التواصل الاجتماعي، دون مراعاة لطبيعة العمل الصحفي وضماناته المهنية.
وأوضح أن هذا التداخل بين القوانين لا يمثل فقط تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة، بل يعكس أيضًا اتجاهًا لتوسيع القيود على حرية التعبير تحت مبررات الحرب والأوضاع الأمنية. لذلك، فإن حماية الصحافة اليوم تقتضي إعادة الاعتبار لقانون الصحافة والمطبوعات بوصفه المرجعية الأساسية في قضايا النشر، ووقف استخدام القوانين الجنائية والمعلوماتية كأدوات لتقييد الصحفيين أو التضييق على حرية الوصول إلى المعلومات، لأن أي تراجع في حرية الصحافة هو بالضرورة تراجع في حق المجتمع نفسه في المعرفة والحقيقة.
التيار
