سودان تمورو:
في المقال السابق حول الأزمة الأمنية في دولة مالي خلصت إلى أن المشكلة لا تتعلق بذلك البلد وحده، وإنما هي تداعيات تكاد تكون متطابقة بين أكثر من دولة من الدول الافريقية الناتجة عن حقبة ما بعد الاستعمار.
سألفت اليوم النظر إلى وجود وجوه شبه جديرة بالملاحظة والوقوف عندها بين الدولتين المنكوبتين بالحروب: السودان، الذي لم تكد الحروب تتوقف فيه منذ استقلاله، ومالي، التي كانت تقع أيضا في المنطقة، التي أطلق عليها المستعمر اسم السودان، ولكن الفرنسي، فصله في محاولة للتفريق بينه وبين السودان البريطاني الإنكليزي.
مثل ما حدث في مالي سلم المستعمر النخبة السياسية السودانية حدود الدولة الجديدة وأوصاهم بالحفاظ عليها. يذكر هذا بأغنية وطنية سودانية شهيرة تتحدث عن «الجدود الذين أوصونا على الوطن» وعلى ترابه. تلك الأغنية، التي ظهرت بعد فترة من الاستقلال، والتي تتم استعادتها اليوم بحنين وعاطفة، لم تخبرنا من هم أولئك الجدود، وهل كانوا يعيشون في فترة التوحد مع مصر، فكانوا يعنون بالوطن مصر الخديوية الكبرى، أم أنهم جاؤوا عقب انفصال السودان عن مصر؟ هل وصيتهم تشمل جنوب السودان أيضا، الذي سينفصل بعد عدة عقود، وهل كان في انفصاله خيانة لوصية الأجداد، أم أن الوطن، الذي كان في مخيلتهم لم يكن يمتد حتى أقاصي الجنوب؟
هناك عامل لا يعطيه السياسيون حقه، فحين يكون هناك حاجز نفسي عميق بين الشعوب تفشل كل جهود التوحيد
من الصعب أن تجد إجابة على هذه الأسئلة، وإن كان المنطق يخبرنا أن من المستبعد أن يكون الأجداد قد أوصونا في أي وقت بحدود سياسية، لم يكونوا يشعرون بانتماء إليها، ولم يساهموا حتى في رسمها.
الحدود الاستعمارية في حالة البلدين كانت أشبه بلغم في انتظار الانفجار، في السودان كان الاختلاف الثقافي الواضح بين الشمال والجنوب ينذر بصعوبة الاجتماع ضمن وطن واحد، كان واضحا أن الوحدة ستكون عالية التكلفة، فإما خلق نموذج يتم التعامل فيه باحترام ومساواة بين الجميع، بما يساوي بين أصحاب العقائد الطوطمية الوثنية، وغالبية الشعب المسلمة، وإما أن تحاول الدولة، التي كانت تجد نفسها ضمن الإطار العروبي الإسلامي، أن تمارس الضغط والإكراه، سعيا لفرض نموذجها وثقافتها من أجل خلق قدر أكبر من التوحد خلف ما تسميه المشروع «الوطني».
في مالي لم يكن الأمر بالحدة ذاتها، فلأول وهلة يمكن أن يقول المرء، إن الثقافة متماثلة وإن الإسلام هو دين الأغلبية، إلا أن المشكلة، التي ظهرت حتى من قبل إعلان الاستقلال كانت مختلفة. كان سكان الشمال من الطوارق يريدون أن تكون لديهم دولة خاصة بهم، وألا يتم جمعهم مع القبائل الافريقية في الجنوب.
الطوارق، الذين بدؤوا بالحديث منذ وقت مبكر عن دولة «أزواد»، التي رأوا فيها تجليا لحضارتهم القديمة، كانوا شديدي الاعتداد بالنفس، لدرجة أنهم كانوا يرفضون أن يتم حكمهم من باماكو، المدينة، التي تقع في أقصى الجنوب. كانت المجموعات القبلية في الشمال تعتبر أن التوحد بالشكل القائم يكرّس لاستمرار المظالم والتهميش ويجعلهم بعيدين عن التمثيل السياسي والاقتصادي بالشكل الذي يستحقونه. الحديث عن وطن منفصل للجنوبيين، أو حتى منح الفرصة لتقرير المصير في السودان، كان من الأمور المرفوضة عند النخبة الحاكمة، تماما مثلما كان، وما يزال، من غير المسموح مناقشة موضوع الانفصال في مالي، وإن كان بديل ذلك هو الحرب.
مثلما اندلعت الحرب بين الشمال والجنوب في السودان منذ وقت مبكر، بل حتى من قبل الحصول على الاستقلال، لم يتأخر الأمر حتى بدأ الطوارق بإعلان العصيان والتمرد على الدولة، معلنين عن هدف وحيد هو منحهم الحق في حكم إقليمهم.
رؤى الطبقة الحاكمة في كل من الخرطوم وباماكو كانت متشابهة، حيث حرص متخذو القرار على التشدد، وعلى اعتبار أن مجرد طرح هذا الموضوع يعد بمثابة الخيانة. كان المنطق الحاكم يقول إن فتح المجال لتقرير المصير وللمطالبة بالانفصال قد يفضي لتفكيك الدولة، التي تتكون من عشرات الكيانات القبلية الصغيرة، التي قد يغريها الأمر فتحاول تكرار التجربة. البديل للخضوع لمطالب الانفصاليين كان الحرب، المحزن في الحالة السودانية هو أن الحرب، التي استمرت لأكثر من نصف قرن حتى عدت الأطول في افريقيا، سرعان ما انتهت بتفاوض قرر أخيرا منح الحق في الانفصال، ما جعل كل المخاوف السابقة تتحقق، لكن بالطريقة الصعبة، التي تجمع بين الخيارين المرّين، الحرب الطويلة المدمرة والانفصال.
هناك عامل لا يعطيه السياسيون حقه، فحين يكون هناك حاجز نفسي عميق بين الشعوب تفشل كل جهود التوحيد. اتفاق الجزائر، الذي كان يراد له أن يقنع الانفصاليين الشماليين في مالي بإمكانية العيش ضمن دولة واحدة، عبر تفعيل نوع من اللامركزية والاستقلال من ناحية وعبر التركيز عن الدعم والتنمية من ناحية أخرى يذكر بالاتفاقات التي سبقت انفصال جنوب السودان، والتي كانت جميلة الصياغة وهي تتحدث عن العيش المشترك والوحدة الجاذبة وعن التنازل السياسي، الذي يجعل الجنوبيين لا يحكمون فقط مناطقهم، وإنما يشاركون بنسبة كبيرة في حكم الشمال أيضا. كل هذه الإغراءات المادية والسياسية لم تنجح في كسب ود الجنوبيين، الذين قررت غالبيتهم الموافقة على الانفصال في أول استفتاء عرض عليهم.
إذا كانت الدولة السودانية قد تحملت تكلفة عالية، قبل أن تستسلم أخيرا لضغوط الواقع وتقبل بمنح الحق في الانفصال، فإن مالي اليوم تواجه تحديا أكبر، فالظروف الإقليمية تبدو أكثر تعقيدا، بسبب الهشاشة الأمنية وانفتاح سوق السلاح، الذي تدفق على المنطقة منذ انزلاق ليبيا في الحرب والفوضى بعد سقوط القذافي. الفوضى تزداد اليوم مع اتساع الفراغ الأمني الممتد من غرب السودان، الذي تسيطر عليه قوات الجنرال المنشق «حميدتي».
هذا المشهد الفوضوي، الذي ينتشر فيه السلاح بكل أنواعه، بما فيه الأنواع الأكثر تطورا، بل والطائرات الحربية المسيرة، يبدو مغريا لتغذية الحركات المتمردة، التي يمكنها أن تعثر بسهولة على السلاح والمال. من جهة أخرى فإن الظرف الخاص، الذي تعيشه مالي، كدولة معزولة إقليميا ودوليا، يجعل أمر صمود الحكومة أصعب. اليوم، وفي حين تحاول باماكو شرح خطورة تنامي المجموعات المسلحة، الذي يتجاوز حدود الدولة، تكتفي كثير من دول المنطقة بالمتابعة والترقب، وكأنها ترجو أن يفضي الأمر لنهاية الحركات المتمردة ونهاية النظام، الذي لا يفضلون التعامل معه، في وقت واحد.
في أجزاء كثيرة من افريقيا، التي ما تزال بعيدة عن الحداثة، ما تزال القبيلة تلعب دورا محوريا يفوق دور الأرض والأيديولوجيا، استحضار هذه الحقيقة يجعلنا نفهم كيف توحدت جماعة مقربة من تنظيم «القاعدة» وأخرى قبلية قومية أزوادية ضمن هدف إضعاف النظام في باماكو. هذا تكرر أيضا في معسكر حميدتي، الذي يجمع بين صفوفه مقاتلين منحازين عرقيا من مختلف التوجهات، فمنهم من هو علماني، ومنهم من كان حتى وقت قريب من الفاعلين الإسلاميين، بل من القيادات المقربة من الرئيس البشير. على ذكر حميدتي فإنه يجب القول، مع كل ما ذكرنا من تشابه في الظروف، بالاختلاف بين أهدافه وبين أهداف المتمردين الأزواديين في مالي، فبينما يجاهر الأخيرون بأن هدفهم هو تحقيق الحلم التاريخي بالانفصال وتكوين الدولة الخاصة بهم، يبدو حلم حميدتي، الذي يتحدث عن وحدة السودان، مختلفا.
