الأربعاء, مايو 27, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعيدٌ فوق الركام: غزة المحاصرة بين أنياب الحرب ومرارة الخذلان .. جعفر...

عيدٌ فوق الركام: غزة المحاصرة بين أنياب الحرب ومرارة الخذلان .. جعفر بدوى

سودان تمورو

في الوقت الذي تصدح فيه مآذن العالم الإسلامي بتكبيرات العيد، وتكتسي الشوارع بحلة البهجة وتضج الأسواق بالحياة، يقف قطاع غزة شامخاً وسط حطامه، يستقبل العيد بطقوسٍ خطّتها الدماء، وصاغتها الدموع، وعمّدها الصبر الأسطوري. العيد في غزة اليوم ليس مناسبة للفرح، بل هو محطة متجددة لاستعراض فصول مأساة إنسانية غير مسبوقة، يعيشها شعبٌ يُباد على مرأى ومسمع من عالمٍ صامت.

العيد في غزة: طقوس الموت والفقد

غابت المظاهر المعتادة للعيد عن أزقة القطاع المدمر؛ فلا بيوت قائمة تُصنع فيها الحلوى، ولا ساحات آمنة ليلعب فيها الأطفال بملابسهم الجديدة. لقد استُبدلت مصليات العيد الفسيحة بالصلاة فوق ركام المساجد المهدمة، وتحولت الزيارات العائلية من تهنئة بالأعياد إلى مواساة في الفقد، حيث تتوجه العائلات المكلومة نحو المقابر الجماعية والمؤقتة لتهنئة شهدائها.

الأطفال الذين يمثلون مهجة العيد، يرتدون في غزة أثواب النزوح البالية، ويبحثون عن بهجتهم بين أطلال منازلهم، أو في خيامٍ ممزقة لا تقي حرّاً ولا برداً. التكبيرات في غزة هذا العام تمتزج بآهات الثكالى، وبكاء الأيتام، وأصوات الطائرات التي لا تغادر السماء، لتُعلن أن الموت ما زال يتربص بكل تفاصيل الحياة.

حصارٌ وتجويع: ثالوث المأساة المستمرة

لا تقتصر معاناة الغزاويين في العيد على قصف الطائرات والمدافع، بل تمتد لتشمل حرب تجويع ممنهجة وحصاراً خانقاً يطوق الأعناق.

  • مجاعة مصطنعة: يأتي العيد وأسواق غزة خاوية إلا من البؤس. الأسعار اشتعلت بفعل الحصار، والمواد الأساسية شحيحة أو منعدمة، حتى بات الحصول على رغيف الخبز أو شربة ماء نظيفة جهاداً يومياً ينهك رب الأسرة.
  • الأمراض والإنهاك: يعيش النازحون في المخيمات المكتظة ظروفاً صحية كارثية، حيث يفتقرون لأدنى مقومات الرعاية الطبية، مما يجعل العيد موسماً إضافياً للألم والمعاناة بدلاً من الراحة والسكينة.

خذلان الأشقاء وتقاعس المجتمع الدولي

ما يدمي قلوب الغزاويين أكثر من صواريخ الاحتلال وحصاره، هو مرارة الخذلان. يمر العيد والقطاع ينزف، بينما يكتفي “الأشقاء” بإصدار بيانات الإدانة الخجولة، وصيغ القلق التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لقد تحولت المواقف الرسمية العربية والإسلامية إلى مجرد ظاهرة صوتية، وعجزت المنظومة الإقليمية عن فرض إرادتها لكسر الحصار، أو إدخال المساعدات الإنسانية بالشكل الذي ينقذ ملايين الأرواح، مما ترك غزة تقاتل وتجوع وحدها في ساحة المعركة.

وعلى الجانب الآخر، يتجلى تقاعس المجتمع الدولي في أبشع صوره. فالمنظومة الدولية، بمؤسساتها وقوانينها المحمولة على شعارات حقوق الإنسان، سقطت سقوطاً أخلاقياً مدوياً على أعتاب غزة.

“إن عجز المجتمع الدولي عن وقف حرب الإبادة والحصار المفروض على غزة ليس مجرد فشل سياسي، بل هو تواطؤ علني يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للاستمرار في جرائمه، ويجعل من القوانين الدولية حبراً على ورق يُكتب لحماية القوي واضطهاد الضعيف.”

أفق مسدود وغياب الرؤية

يأتي العيد ويمضي، ولا يلوح في الأفق أي بريق أمل لإنهاء هذه المحرقة. المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، والمبادرات السياسية توظف لخدمة مصالح القوى الكبرى وحسابات الاحتلال، دون أدنى مراعاة لشلال الدم المتدفق في غزة. يجد المواطن الغزاوي نفسه أمام أفق مسدود، يترقّب المجهول، في ظل غياب أي رؤية دولية أو إقليمية جادة تضمن وقفاً مستداماً للعدوان، ورفعاً حقيقياً للحصار، وإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب.

خاتمة: كبرياء غزة الذي لا ينكسر

رغم فظاعة المشهد، ورغم تآمر القريب والبعيد، يثبت الإنسان الغزاوي في كل عيد أنه عصيّ على الانكسار. فمن وسط الخيام، يوزع المتطوعون القليل من التمر على الأطفال، ويصنع الجيران من القليل المتاح بهجة يصنعونها بأيديهم، ليرسلوا للعالم رسالة مفادها: نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً، وإن عزّ علينا الفرح سنصنعه بكبريائنا.

سيمضي العيد في غزة هذا العام كأيامها الأخرى، بطولات صامتة، وصبر أسطوري، ودموع طاهرة تتساقط على تراب الأرض المباركة. سيبقى العيد شاهداً على صمود شعب رفض الركوع، وعلى خذلان عالم نزع عن وجهه قناع الإنسانية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات