سودان تمورو
يبدو أن رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط تزداد تعقيداً وإثارة يوماً بعد يوم، وتكشف عن تحولات جذرية في لغة التخاطب بين العواصم. فبعد التهديدات الفجة التي وُجهت مؤخراً إلى صناع القرار في سلطنة عُمان، جاء الدور الآن على الدوحة لتتذوق مرارة العصا الأمريكية الغليظة. فقد كشفت تسريبات نقلتها شبكة “الحدث” عن السفير السعودي في واشنطن، عن تطور خطير وغير مسبوق في العرف الدبلوماسي؛ إذ أقدم وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، وفي اتصال هاتفي، على تهديد رئيس الوزراء القطري بالاغتيال صراحة، على خلفية الموقف القطري الداعم لحركة حماس، وما تراه واشنطن “تصلباً” في التعاطي مع الملف الإيراني.
ولكي نفهم هذه العصبية الأمريكية المستجدة، لا بد من قراءة المشهد عبر زاويتين تتقاطعان معاً لتشكلا حقيقة المأزق الراهن. الزاوية الأولى تتعلق بمحاولات إدارة ترامب المحمومة لـ “صناعة إنجاز” بأي ثمن في الوقت الضائع. فالرجل يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية هائلة بعد تعثر سياساته، وفقدان واشنطن لهيبتها وسيطرتها الفعلية على الممر الاستراتيجي في مضيق هرمز، فضلاً عن حالة الانسداد التام في مسارات التفاوض. وأمام هذا العجز، يجد ترامب نفسه مضطراً لتقديم قرابين سياسية لإرضاء عرابي السياسة الخارجية الأمريكية من الصهاينة، ولحفظ ماء وجهه أمام الرأي العام الداخلي، متوهماً أن إجبار الدول العربية وإكراهها على الانخراط في “اتفاقيات إبراهام” وتوسيعها بقوة التهديد، هو طوق النجاة الأخير.
أما الزاوية الثانية، والأكثر عمقاً، فتكمن في الذعر الأمريكي من تنامي مؤشرات انحياز العواصم الخليجية للتكيف مع ملامح “نظام إيراني جديد” يتشكل في المنطقة. فالولايات المتحدة تراقب بقلق بالغ كيف تدير مسقط حوارات مكثفة وتنسيقاً عالي المستوى مع طهران لإدارة شؤون مضيق هرمز، وكيف تبدو السلطنة غير ممتعضة من تراجع النفوذ الإماراتي لصالح إحكام السيطرة والتعاون مع الجانب الإيراني. وفي ذات السياق، تلتقط واشنطن إشارات مقلقة من الدوحة، التي مررت رسائل تطمين صامتة لطهران تتعلق بوضعية القواعد الأمريكية في المنطقة. واشنطن ترى اليوم حلفاء الأمس وهم يفضلون سياسة التكيف والبراغماتية مع التوازنات الجديدة، بدلاً من الاصطفاف الأعمى في مواجهة مفتوحة نيابة عن أمريكا، وهو ما يمثل كابوساً استراتيجياً للإدارة الأمريكية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا التلويح الأمريكي باستهداف الحلفاء، سواء بالقصف أو الاغتيال الشخصي، على أنه استعراض للقوة والسيطرة، بل هو في جوهره صرخة استيصال قادمة من أروقة واشنطن. إن لجوء قوة عظمى إلى تكتيكات التهديد المباشر لشركائها التقليديين ليس سوى إعلان غير رسمي عن انهيار النظام الإقليمي القديم الذي رعته أمريكا لعقود، وبداية لا مفر منها لبروز نظام جديد يعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، نظامٌ يبدو أن واشنطن ترفض تقبله، حتى وإن كلفها ذلك حرق المراكب مع أقرب حلفائها.
