الأحد, مايو 31, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتلاعب ترامب بأسواق النفط.. بقلم رعد الناصري

تلاعب ترامب بأسواق النفط.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو

يقف العالم اليوم شبه موقن بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامپ قد ينهي حربه مع إيران في أي لحظة، غير أن سيد البيت الأبيض لا ينفك يؤكد، وبكل برود، أنه ليس في عجلة من أمره لاتخاذ خطوة كهذه. وفي خضم ما بات يُعرف بـ “حرب رمضان”، يقبع سوق النفط العالمي في حالة من الهدوء المريب الذي يثير دهشة المراقبين. هذه المعطيات الثلاث ليست مجرد صدف متناثرة، بل هي خيوط متشابكة في لعبة جيوسياسية واقتصادية معقدة. فمع اندلاع شرارة الحرب، تعالت أصوات الخبراء محذرة من سيناريو كارثي؛ مفاده أن إغلاق مضيق هرمز لأسابيع معدودة سيقذف بأسعار النفط إلى مستويات جنونية تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل. ولكن، وها نحن نطوي الشهر الثالث على إغلاق المضيق الاستراتيجي، لا يزال خام برنت يتأرجح بعناد حول عتبة 94 دولاراً، وهو رقم لا يبتعد كثيراً عما كانت عليه الأسعار في أوائل مارس، بُعيد اندلاع المواجهات.

لفهم هذا اللغز، يجب أن ندرك أن سوق النفط العالمي قد بنى حساباته طيلة الأشهر الثلاثة الماضية على فرضية حتمية؛ وهي أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه عاجلاً أم آجلاً لتتدفق دماء الاقتصاد العالمي من جديد. هذه الفرضية تستند في جوهرها إلى قناعة أعمق وأكثر تجذراً في أروقة المال والأعمال، وتُعرف بنظرية “TACO” (ترامب يتراجع دائماً). وتتلخص هذه النظرية في إيمان المستثمرين بأن ترامپ، متى ما وصلت الضغوط الاقتصادية إلى نقطة الغليان، سيتراجع وينسحب. لكن هذا المنطق، وللمفارقة، تحول إلى حلقة مفرغة وعكسية؛ فالأسعار تظل منخفضة لأن المستثمرين يتوقعون إيقاف الحرب قبل الانفجار السعري، وبسبب هذا الانخفاض تحديداً، لا يشعر ترامپ بأي ضغط حقيقي يجبره على إنهاء الصراع. لقد أدرك الرئيس ببراعة، وربما بمكر تاجر عقارات، أنه يستطيع تخدير الأسواق بمجرد التلميح العابر بين الحين والآخر لاحتمالية التوصل إلى اتفاق سلام.

بطبيعة الحال، لم يأتِ رهان الأسواق على انسحاب ترامپ أمام الكوارث الاقتصادية من فراغ. فالذاكرة القريبة لا تزال تحتفظ بمشهد أبريل 2025، عندما أعلن ترامپ ما أسماه تعريفات “يوم الحرية”. حينها، تبخرت تريليونات الدولارات من قيمة أسواق الأسهم في غضون أيام، وبدأ المستثمرون في التخلص من سندات الخزانة الأميركية، لترتفع أسعار الفائدة بشكل صاروخي. وما هي إلا 13 ساعة فقط على بدء تنفيذ سياسته التجارية الجديدة، حتى رفع ترامپ الراية البيضاء معلناً تعليق تلك التعريفات لمدة 90 يوماً.

هذا النمط المتكرر تجلى بأوضح صوره في الأزمة الحالية. ففي 28 فبراير، ومع بدء الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران، قفز خام برنت في غضون أسبوع ونيف من 70 دولاراً ليلامس حاجز الـ 120 دولاراً. ولكن في التاسع من مارس، أطل ترامپ ليعلن بثقة أن الأزمة “حُلّت تقريباً بالكامل” وأن مضيق هرمز قد فُتح، رغم أن الواقع على الأرض لم يشهد شيئاً من هذا القبيل. كانت هذه الكلمات كافية لتهوي الأسعار مجدداً إلى ما دون 90 دولاراً، ليتنفس المؤمنون بنظرية “التراجع الترامبي” الصعداء.

بيد أن ترامپ هذه المرة لم يتراجع، بل استمرت آلة الحرب في الدوران. ومع زحف أسعار النفط مجدداً متجاوزة عتبة الـ 110 دولارات، عاد ترامپ ليلعب ورقته الرابحة، مصرحاً بأن إدارته تخوض “محادثات جيدة جداً وبناءة” مع طهران لإنهاء الحرب. وكما هو متوقع، ابتلع السوق الطعم، وهبط السعر إلى 95 دولاراً. لقد أصبحت اللعبة مكشوفة: ترتفع الأسعار، يلوّح ترامپ بسلام وشيك، تنهار الأسعار، وتستمر الحرب بلا هوادة وبلا أي اتفاق يلوح في الأفق.

اليوم، تتكشف عورات نظرية تراجع ترامپ، إذ يثبت الواقع أن لها حدوداً قاتلة. العيب الأول في هذه النظرية أنها تلغي نفسها بنفسها؛ فالمتداولون يعتقدون أن ارتفاع الأسعار سيجبر ترامپ على إيقاف الحرب، وهذا الاعتقاد بالذات يمنع الأسعار من الارتفاع للمستوى الذي قد يشكل ضغطاً حقيقياً عليه. أما العيب الثاني، فهو قابليتها للاستغلال السهل من قبل رئيس أدرك أن الأسواق تتوقع منه الخضوع، فبات يستخدم التلميحات الفارغة كأداة للتحكم في مقياس الذعر العالمي.

لكن هذه المسرحية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. فالمحللون يؤكدون أن الأسواق بدأت تستوعب قواعد اللعبة وتفك شفراتها، وبات تأثير تصريحات ترامپ الوردية يتلاشى تدريجياً مع اعتياد المتداولين على هذه التكتيكات الوهمية. والأهم من ذلك كله، أن القوانين الصارمة للعرض والطلب ستفرض كلمتها النهائية لا محالة. فالدول تستهلك احتياطياتها النفطية الاستراتيجية بوتيرة مرعبة، وقد تجد نفسها أمام خزانات خاوية خلال الشهر المقبل. وحين تحين تلك اللحظة، لن تنفع تصريحات التهدئة في خلق نفط غير موجود، وسيسقط وهم الاستقرار أمام حقيقة الندرة القاسية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات