سودان تمورو
يغرق لبنان الرسمي في وهم الرهان على التحالف مع الولايات المتحدة والركون إلى ضماناتها للجم “إسرائيل” أو إلزامها بالتزاماتها، إن وُجدت، في اتفاقية وقف إطلاق النار التي أُعلن عنها من الولايات المتحدة في بيان ثلاثي مشترك (أميركي – إسرائيلي – لبناني) قبل يومين. فأميركا التي نعرفها وجربناها في غزة والضفة الغربية وسوريا، وغيرها، تتصرف كما اعتادت دائماً؛ مصالح “إسرائيل” أولاً، ومصالح “حلفائها” العرب، إن وجدت، مؤجلة يمكنها أن تنتظر.
تُصر حكومة لبنان على أن القُرب من واشنطن يمنحها حصانة مطلقة، أو أنه قد يحمي لبنان من الفتك الإسرائيلي، وفق الذريعة التي تسوقها للذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، بينما الحقيقة المؤلمة المُرة التي أثبتتها التجارب، تقول عكس ذلك تماماً؛ “فالمتغطي بأميركا عريان” سرعان ما يكتشف، بدمه ولحمه، هشاشة الأمان الذي ينشده من سندٍ أميركي مُنحاز ومُتقلب.
فبينما يُعوّل لبنان على “الضمانات الأميركية” لحماية اللبنانيين من القتل الإسرائيلي، ينبري وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس، وقبل أن يبرد إعلان التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين “إسرائيل” ولبنان، ليؤكد مفاخراً أن “اللبنانيين لن يعودوا إلى الجنوب وسنستمر في عمليات تدمير البنية التحتية، فيما سيبقى “الجيش” الإسرائيلي في المنطقة الأمنية في لبنان حتى الخط الأصفر، بما في ذلك منطقة الشقيف، ويواصل في ذات الوقت إطلاق النار وحرية العمل العسكري بدعم أميركي”!
ليس بعد هذا التصريح من عذر “والشمس لا يمكن تغطيتها بغربال” والولايات المتحدة ليست صديقة للبنان ولا للعرب ككل، ولا حامية أمينة لهم ولا لحياتهم وأرواحهم، بل قوة غاشمة تعمل وفق مصالحها الخاصة ومصالح حلفيتها “الأعز” “إسرائيل”، فسرعان ما يتحول دعمها “النظري” المُدّعى للبنان إلى ورقة ابتزاز، وسرعان ما ستتخلى عنه، فهل نسيت حكومة لبنان، أم تناست، عدد المرات التي تغاضت فيها واشنطن عن انتهاكات وفظائع ارتكبتها “إسرائيل” ضد العرب ومصالحهم!
فأميركا، هي ذاتها التي أهملت أقرب حلفائها العرب في دول الخليج حين كانوا في أمس الحاجة إليها، ولم تولِ أمنهم أولوية، وفضّلت وقدّمت حماية “إسرائيل”، وتخلت عنهم تماماً مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وبعدها؛ وهو ما لا يدع مجالاً للشك أن الغطاء الأميركي لا يحمي إلا مصالحه ومصالح “إسرائيل”، وأن وهم الحماية أو الاحتماء بالقوة الأميركية والقواعد الأميركية، سرعان ما يصبح عبئاً ثقيلاً على الوطن، لا سنداً له.
وكيف لأميركا أن تحمي لبنان طالما أنها تتبنى رواية حليفتها المدللة “إسرائيل” بالمطلق، ولا ترى إلا حاجاتها وأطماعها، وتطالب لبنان أن يأكل بعضه بعضاً وتدفعه قسراً إلى أن يدخل في أتون حرب أهلية واقتتال داخلي يأتي على الأخضر واليابس في سبيل حماية “إسرائيل”!.
الحقيقة المرة، التي يتعامى عنها لبنان الرسمي اليوم، أن الاعتماد على أميركا هذه المرة، كما في تجارب العرب المماثلة السابقة، لن يجعل لبنان إلا أكثر ضعفاً وانكشافاً، فالحكمة الشعبية لا تخطئ “المتغطي بالأميركان عريان”، فأي غطاءٍ خارجي، مهما بدا “عظيماً، لا يغني عن بناء القوة الذاتية، ولا عن السيادة الحقيقية التي يجب أن تبدأ من الداخل وتستثمر مكامن القوة، ومنها العمل المقاوم، في بناء استراتيجية دفاعية تصمد وتحقق للبنان حقه وكرامته في المسارات الدبلوماسية والسياسية.
على لبنان أن يستخلص الدرس قبل فوات الأوان، فأمنه ليس في تجربة الضمانات الأميركية المُجربة، والتي كلّفت دماً ولحماً عربياً كثيراً في غزة وسوريا والضفة الغربية وغيرها؛ بل في قدرته، أي لبنان، على إدارة مصالحه، وحماية شعبه وتوحيده؛ الضمانة الوحيدة لتوفر الحماية والأمن والكرامة، لا وعوداً مُتقلبة من قوة استعمارية إمبريالية غاشمة تُسخّر العرب لخدمة مصالحها ومصالح ربيبتها “إسرائيل”.
حكام لبنان يريدون أن “يتغطوا” بالأميركان وهم يوقنون أن البيت الأبيض لن يستر لهم عورة، وهو يتلاعب بمخاوفهم، وبأوهامهم، وبشعورهم “الموروث” بالهوان والنقص، ليقعوا فريسة النوم تحت مظلة الأمن التي تعدهم بها أميركا، والأهم من ذلك فرض التطبيع المُمنهج مع الصهاينة والتلاقي معهم كحليف، لحماية حدود دولة الاحتلال وأمنها.
فحتى ينعم لبنان “بالاستقرار” على الطريقة الأميركية، عليه، كما أشار محمود درويش في إحدى قصائده، أن “يلتصِقْ بالتراب لينجو”، فعلى لبنان أن يلتصق بالحضيض والانكسار لا بالتراب وحسب، حتى يظفر بالبقاء!.
ترامب وإدارته اليمينية المتطرفة النزقة، والتي تدور في فلك المصالح الإسرائيلية حيثما دارت، يقول للبنان في مقابل تهديده بالفناء، أن عليه أن يُثبِت “جدارته” في “المناطق التجريبية”، فإن أحسنَ الاحتراب الداخلي فقد يُترك لقادته الرسميين ورقة توتٍ لستر سوءاتهم أمام شعبهم المقهور والمذبوح بآلة البطش الأميركية الإسرائيلية!
إنه مكر التاريخ وسخريته فى آن، وخيبة أمل تتكرر، ومع شديد الأسف، لا أحد من العرب الرسميين يتعلم من دروس التاريخ وعبره القاسية. نعم؛ هى معادلة مُعقدة، فتجاهل أميركا صعب، ومصادقتها أكثر صعوبة، كما أن عداوتها خطر، لكن الخطر الأكبر اليوم هو ألا تقرأ السلطة اللبنانية، أبعاد ومقاصد الأميركي في لبنان، ونموذجه ساطع مؤلم فى غزة والضفة الغربية وسوريا، فضلاً عن سلوكيات مشينة وانتهازية أخرى، فى مراكز صراعات عديدة فى الإقليم، كإيران على سبيل المثال. فهل بعد هذا، يُلدغ لبنان من الجُحر ذاته الذي لُدغ منه العرب مرات ومرات…!
الخلاصة واضحة ساطعة؛ أي دولة عربية تعتمد على الحماية الأميركية، مهما طال غطاؤها الظاهر، ستظل في النهاية عارية أمام الحقيقة، ضعيفة أمام التحديات، وأسيرة وعود لا تتحقق، فالمتغطي بأميركا عريان، والدرس صارخ لمن يريد أن يرى الواقع كما هو، لا كما يريد أن يحلم به.
وغداً تدور الدائرة على المهرولين إلى حِجر أميركيا و “إسرائيل”، ولن تستر الحماية الأميركية عوراتهم، ولن يشفع لهم تزلفهم ولن تُنقذهم طأطأة الرؤوس، لأن الحقيقة وببساطة تؤكد أن “اللي متغطي بأميركا عريان”، وأن أفضل غطاء هو غطاء الشعب، وقوة الدولة الذاتية، وحكمتها السياسية، المسنودة بمكامن القوة التي لا تنقص لبنان.
كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية
