سودان تمورو
منذ دخول قوات الدعم السريع لولاية الجزيرة عبر طريق الشرق، نزح أهالي تلك القرى والمناطق المحاذية للأسفلت، الذي تمركزت فيه قوات الدعم السريع قبل دخول مدني. في منطقة أبو حراز التي ارتكزت هذه القوات أمامها، ودخل بعضهم الأحياء المتاخمة للطريق القومي، فُقد مصعب الحاج علي، الذي يسكن أبو حراز، كما أعلنت أسرته. يقول شقيقه منير إن مصعب فُقد منذ الأيام الأولى، وكل مرة يتم وصف مكان محدد لهم يذهبون إليه، ولكن لم يتم العثور عليه، مضيفًا أن آخر مكان وُصف لهم جنوب شارع النيل مدني، لكن لم يعثروا عليه، حتى بعد دخول الجيش إلى مدني وتحريرها، لا خبر عنه ولا معلومة.
لعل أخطر ما أفرزته حرب السودان من واقع معقد وشائك هو حالة الإخفاء القسري والمفقودين، الذين أكمل كثير منهم ما يقترب من عامين، وتجابه أسر هؤلاء سؤال فقدهم يوميًا
مصعب الحاج، يبلغ من العمر عشرين عامًا، وهو مريض نفسي، تعذبت أسرته في البحث عنه في ظروف بالغة الصعوبة، حيث سيطرت قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، ونشرت ارتكازاتها في كافة الأنحاء. من يذهب للبحث ربما يتم اعتقاله أيضًا أو تصفيته. لا شبكة اتصالات في الجزيرة تعمل، ظلمة كاسحة أصابت أسرة مصعب ولا تزال تخيِّم على قلوبهم، فحتى الآن لم يعد مصعب، وليس ثمة خبر عنه.
حالة مصعب واحدة من عشرات الآلاف من حالات الفقدان التي نجمت عن الحرب في السودان، حيث لا جهة يمكنها إفادة ذوي الضحايا عنهم، فقط مجهودات فردية ربما توصلك إلى من تريد وربما لا.
لعل أخطر ما أفرزته حرب 15 نيسان/أبريل في السودان من واقع معقد وشائك هو حالة الإخفاء القسري والمفقودين، الذين أكمل كثير منهم ما يقترب من عامين، وتجابه أسر هؤلاء سؤال فقدهم يوميًا. رجال ونساء وأطفال، غابوا أو تم تغييبهم قسريًا، وهي لعنة الحروب التي تجعل من حياة الإنسان مجرد أداة لتحقيق النصر، أو مجرد كروت ضغط للوصول إلى أهداف مؤقتة أو إستراتيجية، أو خسائر جانبية.
المفقودُ يظل سؤال الحاضر المدمي، وتظل انكفاءة قلوب ملوَّعة تبحث عن إجابة، عن سطر أخير في حكاية الأحباب على الأقل، عن كلمة وداع لا يجدها الشخص ولا يفهم حقيقة هذا الغياب المجنون. لكن واقع الحرب العبثي لا يمنح راحة البال للأهل، ولا يسدُّ تلك الهوة التي تتسع كل يوم في وجدان السودانيين بسبب غياب أحبابهم.
ليس هنالك إحصاءات حقيقية بعدد المفقودين في هذه الحرب، رغم اجتهادات المبادرات هنا وهناك، لكن الأدهى أنه ليس هنالك اهتمام، لا رسمي ولا شعبي، بهذه القضية الخطيرة التي تؤرق بال عشرات الآلاف من الأُسر التي فقدت أحبابها. ثمة تكتُّم وسرية تحيط بعمليات فقد النساء تحديدًا، لحساسية هذا الأمر على الأُسر المكلومة، مخافة الوصمة الاجتماعية، وعملية التمييز على أساس النوع، التي ترى أنه مساس بالشرف، لشيوع جرائم الاغتصاب في هذه الحرب التي لا كرامة فيها.
غير السجون المعروفة كسجن سوبا، الذي استخدمته قوات الدعم السريع للزج بآلاف المعتقلين فيه، هنالك سجون سرية تنتشر في كافة مناطق الحرب، لا يعرف ذوو المعتقلين إن كان أحبابهم أحياء فيها أم أموات
غير السجون المعروفة كسجن سوبا، الذي استخدمته قوات الدعم السريع للزج بآلاف المعتقلين فيه، هنالك سجون سرية تنتشر في كافة مناطق الحرب، لا يعرف ذوو المعتقلين إن كان أحبابهم أحياء فيها أم أموات. لكن بعض الذين أُطلق سراحهم أفادوا بوفيات تمت في هذه السجون والمعتقلات، وسعوا لإخبار أهالي أولئك الضحايا. ونطالع بين الفينة والأخرى في بعض الوسائط نعيًا هنا وهناك لبعض الأسرى والمخفيين قسريًا منذ بداية الحرب.
تقول “مبادرة مفقود” إنها رصدت عشرات مراكز الاعتقال داخل ولاية الخرطوم، التي تمت فيها عمليات إعدام لمدنيين، وأن هنالك حالات ابتزاز تمت لبعض المواطنين لدفع فديات تتراوح بين ألف دولار إلى أربعة آلاف دولار، وفي أحيان أخرى تصل إلى عشرة آلاف دولار لخروج الضحايا، وفي كثير من الأحيان لم يتم إطلاق سراح الضحايا رغم دفع الفدية، وفي أحيان أخرى تمت إعادة الضحايا متوفين.
انعدام شبكات الاتصالات في مناطق الحرب، وحالات النزوح التي تمت أثناء اجتياح قوات الدعم السريع لبعض المناطق، ساهم بشكل كبير في انقطاع كثير من الأسر عن أهاليهم، الذين لم يستطيعوا سبيلًا للوصول إليهم أو إلى معلومات عنهم. كما أن هنالك كثيرًا من الأسر توفي أفرادها بالكامل في منازلهم نتيجة للقصف والتدمير الذي تعرضت له المناطق، وباتت منازلهم قبورًا لهم، ولا يعرف أحد إليهم سبيلًا.
في هذه الحرب، ارتكبت جرائم مهولة لن يتسنى لنا اكتشافها الآن، لكن العلامات على وجود هذه الجرائم موجودة. أُعدم كثير من المواطنين وتمت تصفيتهم في منازلهم، في السجون، في الشوارع، في نقاط الارتكاز. أيضًا، كثير من المواطنين ماتوا جوعًا في سجون الدعم السريع ومعتقلاته.
تقول مبادرة “مفقود” إن عدد المفقودين الكلي تقريبًا 2309 شخصًا، منهم 475 من النساء، و165 طفلًا، و90 طفلة. هذه الأرقام بالتأكيد لا تمثل الرقم الحقيقي للمفقودين وضحايا الإخفاء القسري، ففي مناطق الحروب يتعذر العمل المدني للمنظمات، التي لا تستطيع تأمين موظفيها لإجراء إحصاءات دقيقة، إضافة إلى أن هنالك محاذير كثيرة بخصوص الإبلاغ عن الفقدان نفسه، لأن بعض المواطنين يرون أنهم قد يعرضون حياة هؤلاء للخطر بمجرد إبلاغ جهة ما أو إعلانه مفقودًا، فيصبح مستهدفًا.
تقوم مبادرة “مفقود” بنشر صور ومعلومات الضحايا على صفحتها، على أمل أن يقوم البعض بذكر معلومات عن هؤلاء، وأيضًا لكي يتم توثيق هذه الحالات. من أُطلق سراحهم من سجن سوبا يقولون إن هنالك ما يقارب أربعة آلاف مواطن لا يزالون بالسجن، في ظروف قاسية من تعذيب وتجويع.
أهوال كثيرة عاشها السودانيون خلال العامين المنصرمين، حيث تفوح رائحة الموت في المدن والقرى والفرقان، وتنتشر الجثث على الطرقات. ضحايا كثر فُقدوا ولا يزالون طي الكتمان
مات كثير من كبار السن والمرضى على أسرتهم، في منازلهم، حيث الخروج في مناطق الاشتباك يعني الموت المباشر، وحيث لا سبيل إلى التموين الغذائي، أو وسيلة للتواصل. دفن كثيرون موتاهم في بيوتهم، لأن الطرق إلى المقابر تعني مقتل المشيعين أنفسهم.
أهوال كثيرة عاشها السودانيون خلال العامين المنصرمين، حيث تفوح رائحة الموت في المدن والقرى والفرقان، وتنتشر الجثث على الطرقات. ضحايا كثر فُقدوا ولا يزالون طي الكتمان. معتقلات سرية وسجون منتشرة في كافة مناطق الحرب، مناطق تقع في الظلمة دون إنترنت أو هواتف أو حتى كهرباء، حيث يتعذر البحث والإفادة والحصول على معلومات عن الضحايا الذين يواجهون مصيرًا مؤلمًا ومجهولًا.
