الإثنين, مايو 25, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيفتاوى عفا عليها الزمن وطوتها عجلة الحياة .. أبوذر الغفاري بشير عبد...

فتاوى عفا عليها الزمن وطوتها عجلة الحياة .. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

سودان تمورو

لا تعدو أن تكون الفتوى رأياً يستنبطه المفتي من فهمه لمصادر التشريع الإسلامي، ولا يعد الرأي الحاسم في دين الله. وقد دلت التجربة العملية أن كثيراً من الفتاوى التي أصدرها فقهاء كبار في الفقه الإسلامي لم تجد حظها من القبول، إما بسبب عدم اعتمادها على أسانيد قوية أو بسبب عدم توافقها مع حاجات الناس ومتطلبات الحياة.

لا تتم الفتوى قولاً بالرأي المرسل وإنما اعتماداً على أسانيد شرعية، وفي كثير من الأحيان تختلف الزوايا التي ينظر من خلالها الفقيه للواقعة محل الفتوى والأسانيد التي يعتمد عليها. ومن ثم فالفتوى هي فهم المفتي للأسانيد الشرعية، وهي أمر قابل للاختلاف حسب المكان وحسب رؤية المفتي للأسانيد الداعمة، وقد تتغير الظروف مما يوجب تغير حكم الفتوى. وقد أثر عن بعض الأئمة تغير فتاويهم عند تغير المكان فعلى سبيل المثال ورد أن الإمام الشافعي كانت له رؤى فقهية وفتاوى أثناء فترة إقامته في بغداد، جمعها في مجلده “الحجة” سنة 195، لكن ما أن جاء إلى مصر حتى أعاد النظر فيها لتغير الظروف، فألف كتابه “المبسوط” والذى اشتهر فيما بعد بكتابه الأم.

أورد في هذا المنشور عدداً من هذه الفتاوي التي لم يعد يلق لها الناس بالاً في الحياة العامة رغم أنها صدرت من فقهاء لهم ثقلهم في الميزان العلمي عند عامة المسلمين.

موقف الإمام أبي حنيفة من الخمر

سار جمهور فقهاء المسلمين على قاعدة تحريم كل ما أسكر كثيره، إلا أن الامام أبا حنيفة له رأي مختلف حيث ميز بين حد الخمر وحد الشرب. فحد الخمر يتعلق بماء العنب النيئ المختمر وهذه يتم الحد فيها سواء تم الشرب قليلاً أو كثيراً. أما حد السكر فيطبق عند شرب المسكر من الأشربة الأخرى مثل الذرة والبلح وغيرها من المخمرات. ولا يطبق الحد في هذه الحالة إلا إذا وصل الشارب مرحلة السكر، وضابط السكر الموجب للحد عند الامام أبي حنيفة (وهو الذي يزيل العقل بحيث لا يفهم السكران شيئاً، ولا يعقل منطقاً ولا يفرق بين الرجل والمرأة ولا بين السماء والأرض لأن الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحد)

ووفقاً لرأي الامام أبي حنيفة فإن الخمر التي يتعارف عليها السودانيون بما فيها “المريسة” و”العرقي” لا تعد موجبة لتطبيق الحد الشرعي أو الحرمة ما لم يصل الشارب إلى مرحلة فقدان العقل بحيث لا يميز بين الرجل والمرأة أو السماء والأرض، وهذا أمر بطبيعته يخرج عن العادة.

ابن تيمية وتحريم الكيمياء

تعد الكيمياء أحد العلوم الأساسية في الحياة المعاصرة وقامت عليها النهضة العلمية الحديثة، إلا أنها عند بعض علماء المسلمين ومن بينهم الإمام ابن تيمية لم تكن سوى مضاهاة لخلق الله ومن ثم فهي محرمة. فقد ورد في كتابه مجموع الفتاوى (ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرهما من أنواع الجواهر والطيب وغير ذلك مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك مثل ما يصنعونه من اللؤلؤ والياقوت والمسك والعنب وماء الورد وغير ذلك فهذا كله ليس مثل ما يخلقه الله من ذلك … وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع) ويستطرد ابن تيمية (وحقيقة الكيمياء إنما هي تشبيه المخلوق وهي باطل في العقل والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وكل ما أنتجته الكيمياء من منتجات هي مضاهاة لخلق الله وبالتالي فهي محرمة)

لحسن الحظ أن العالم لم يستمع لفتوى الامام بن تيمية في هذا الموضوع وأكمل مجهوده في الأبحاث الكيميائية والتجارب العلمية لمرتبطة بها. وإلا فإن حال كوكبنا لكان غير ما نعهده.

عبد العزيز بن باز وإنكار دوران الأرض

أصبح من القواعد الثابتة أن الأرض تدور حول الشمس وتم حسم هذه الحقيقة منذ زمن بعيد إلا أن الإمام بن باز له رأي مختلف فأورد (القول بدوران الأرض قول باطل والاعتقاد بصحته مخرج من الملة لمنافاته ما ورد في القرآن الكريم من أن الأرض ثابتة وقد ثبتها الله بالجبال أوتاداً وقال سبحانه وتعالى (والجبال أوتاداً) وقوله جل وعلا (وإلى الأرض كيف سطحت) وهي واضحة المعنى فالأرض ليست كروية ولا تدور كما بين جل وعلا وقد يكون دورانها أو تغيرها من غضبه سبحانه)

أن حقيقة دوران الأرض لم تعد مثار جدل، إلا أن الثابت أن تقدير الامام بن باز واستنباطه هو الذي محل جدل. ففهمه لآيات القران الكريم لم يكن على المستوي العلمي أو الاستنباط الصحيح وإنما هو فهمه الخاص.

ابن عثيمين وتحريم دراسة اللغة الإنجليزية

يعد تعلم اللغات الكبرى بما فيها الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية مدخلاً أساسياً للتواصل مع العالم  والتفاعل معه. فقد أصبح العالم صغيراً إلى الدرجة تتطلب أن يكون لكل شخص مستوى من المعرفة بلغة إضافية تتيح له التواصل المطلوب. كما أن معرفة اللغات الأخرى تتيح الاستفادة من المحصول العلمي الضخم، فهو أمر لا غنى عنه في عالم اليوم. وقد كان للإمام ابن عثيمين رأي مختلف فذكر (معلوم أن اعتياد التكلم بغير اللغة العربية حتى يكون عادة أمر غير مشروع لأنه يورث محبة أهل تلك اللغة من الكفرة وهو مخالف لعقيدة الولاء والبراء من الكفار. وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله (واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً ويؤثر ايضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد في لاعقل والدين والخلق) والذي أراه أن الذي يعلم صبية اللغة الإنجليزية منذ الصغر سوف يحاسب عليه يوم القيامة لأنه يؤدي إلى محبة الطفل لهذه اللغة ثم محبة من ينطق بها من الناس)

بدعة غسل اللحم قبل أكله عند ابن تيمية

غسل اللحم قبل أكله أحد موضوعات الصحة العامة خاصة في ظل ضرورات الحياة التي تطلبت معايير أعلى في النظافة والصحة الغذائية. وصار عادة لا فكاك منها. وكقد كان رأي ابن تيمية عندما عرض عليه هذه الموضوع أنه بدعة فقال في مجموع الفتاوى (أكل الشوى والشريح جائز سواء غسل اللحم أو لم يغسل، بل إن غسل اللحم بدعة فما زال الصحابة رضوان الله عليهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يأخذون اللحم فيطبخونه ويأكلونه بغير غسل وكانوا يرون الدم في القدر خطوطاً.)

اسقاط كلمة (ابن) من الاسم

درج السودانيون في عهود سابقة على استخدام كلمة (ود) في الاسم، لتقوم مقام كلمة (ابن) فيقال: الزبير ود رحمة أو الخليفة عبد الله ود تورشين، أو عبد الله ود النور. وبمرور الزمان سقطت هذه اللازمة في أسمائنا واصبح الأمر العادي إضافة الاسم إلى الأصل الذي يليه. وبالنظر لفتاوى دينية سابقة، فيقول الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في كتابه (الايضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين (النوع الثالث والثلاثون من التشبه بأعداء الله تعالى أسقاط كلمة (ابن) في النسب كقولهم لمن اسمه أحمد بن محمد ، أحمد محمد، وهذا معروف عند الافرنج منذ قرون كثيرة وقد وقع في تقليدهم فيه ما لا يحصيه إلا الله تعالى. وهؤلاء المفتونون بالتقاليد الافرنجية قد خالفوا الكتاب والسنة)

أعتقد أن عجلة الحياة تؤدي في أحيان كثيرة إلى أن تموت الفتوى أو الرأي الديني موتاً طبيعياً ويعتاد الناس على ما جرى به العرف فيصبح أمراً مسلماً به.

منقول من صفحة الكاتب على الفيس بوك

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات