سودان تمورو
ولأن الكتب مثل العطر تبهج الإنسان وتسكن روحه وتمنحه المتعة، والمعرفة، والفرح والارتياح سمى الكتاب بخير جليس. على تنوع الكتب التي قرأتها وصادقت بعضها إلا أننى دائما ما كنت أحس في أعماق نفسي إن لكتاب نهج البلاغة مكانة خاصة عندي، فكثير ما هرعتُ إليه في أوقات الشدة والملمات و في أوقات اليسر والحبور. وكنت كلما اشتقت إلى ملامسة الجمال والحكمة والعرفان، وتذوُّق الحرية والعدالة وتنسُّم رائحة النضال “الإمامية”، أفرُّ اليه وأمشي حافياً في دوربه التي تصل الارض بالسماء والسماء بالارض.
لكتاب نهج البلاغة حضور عظيم في ذاكرة القراءة وفي ذاكرة المكتبة الانسانية الواسعة، فقد احتفي به نفر من كبار العلماء والمفكرين و في مختلف الحقب و من مختلف المدارس الفكرية والاتجاهات، وأخذوا ما جاء فيه بقوة و تدبّر، لذلك حظي بالكثير من الدراسات والشروحات والتحقيقات والتعليقات فقد شرحه الشيخ حسين جمعة العاملي، وابن أبى الحديد المعتزلي، والامام محمد عبده، والشيخ صبحي الصالح، وكتب وعلّق علي بعض ما جاء فيه، الجاحظ، و هادى العلوي، و على شريعتي وغيرهم ، كما اهتم به نفر غير قليل من المستشرقين فقد قال عنه المستشرق الفرنسي
“هنري كوربان”: ( انه من الآثار اللغوية و البلاغية العظيمة للإمام عَلِّي الذي أعطى اللغة العربية صيغتها النهائية وألبسها ثوب البلاغة البديع).
نهج البلاغة الذي جمعه وحققه الشريف الرضي والذي يحوى خطب ومواعظ ورسائل ووصايا أمير المؤمنين التي جاءت في أنصع وأبلغ وأجمل أساليب اللغة العربية، يعد من أعظم المعارف التي أنتجتها الحضارة الإسلامية، وكيف لا؟، وفيه من روح الإيمان والمعرفة اللدنية ما فيه، ولا غرابة هنا، فهو كلام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ربيب النبي”ص” و الوصيُّ و باب مدينة العلم وأول الذين طهرهم الله من الرجس.
مما جاء في الكتاب من حكم وخطب وصايا انتخب بعضا من كلام الإمام لصحابه الأثير كميل بن زياد فقد قال له:
(….اللَّهُمَّ بَلَى لاَ تَخْلُو الاَْرْضُ مِنْ قَائِم لله بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولئِكَ ؟ أُولئِكَ ـ وَاللَّهِ ـ الاَْقَلُّونَ عَدَداً، وَالاَْعْظَمُونَ قَدْراً، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَان أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْـمَحَلِّ الاَْعْلَى، أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ).
انْصَرِفْ إذَا شِئْتَ .
ومن كلامه في وصف ‘المتقين:”، نذكر قوله: (…فمن علامة احدهم انك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع….”. و في كتابه للصحابي الجليل وذراعه الأيمن مالك بن الاشتر لما ولاه على مصر، فقد كتب له: (وإنما عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للأعداء، العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم، وليكن أبعد رعيتك منك، واشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فأِن في الناس عيوبا، الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها…”، و قال فى القصار من كلماته: ( احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع)، وقال: (الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة)، وقال:
(من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ).
في دروب نهج البلاغة يستجم المحبون ويرتاحون وينهلون من معين لا ينضب من الحكم، والرؤى، والأفكار، في دروبه يكتشفون ذواتهم ويتذوقون طعم الدنيا والآخرة.. ففيها أناشيد للعدل والحرية والكرامة والجمال والحق والخير وفيها رفض ومواجهات للظلم والظالمين وفيها خارطة للسير نحو الله ومحبته ومعرفته..فيها تعليم للإنسان في ضرورة أن يكون حراً وربانياً.
في دروبه مؤانسة وإمتاع ومعرفة لم تفارقني أو أفارقها منذ أن تعرفتُ على هذا الكتاب النورانيُّ الجميل.
مجلة أفق جديد الالكترونية
